رئيس التحرير:
نافذة تُعنى بالتراث والأدب العربي، تستعيد الذاكرة الثقافية، وتقرأ النصوص الكلاسيكية والمعاصرة قراءة تحليلية، تربط الجمال بالمعرفة، والهوية بالسياق التاريخي، بعيدًا عن التبسيط والاستهلاك والسطحية والإقصاء والتوظيف الأيديولوجي المعاصر المباشر.
التراث الأدبي العربي: حين كانت الكلمة تصنع المعنى والسلطة
لم يكن الأدب العربي يومًا ترفًا لغويًا، ولا زينة ثقافية تُعلَّق على جدران الذاكرة، بل كان أداة وعي، وصناعة معنى، وبناء هوية. في فضائه تشكّلت صورة العربي عن نفسه، وعن العالم، وعن السلطة، والحق، والجمال.
منذ المعلقات، لم تكن القصيدة مجرد وصف للصحراء أو الأطلال، بل بيان وجود. الشاعر كان مؤرخ القبيلة، وضميرها، ولسان احتجاجها أو فخرها. اللغة هنا لم تكن حيادية؛ كانت سلاحًا، وميزان شرف، ووسيلة خلود. ولهذا بقي الشعر الجاهلي حيًا، لا لأنه قديم، بل لأنه صادق في تمثيل لحظة الإنسان الأولى أمام العالم.
مع الإسلام، دخلت العربية طورًا جديدًا. لم تعد اللغة وعاء شعر فقط، بل حاملة نص مقدس، ومن ثم حاملة معرفة. نشأت علوم النحو والبلاغة والتفسير، ليس بدافع التجريد الأكاديمي، بل لحماية المعنى من الانزلاق، وضبط العلاقة بين اللفظ والدلالة. هكذا تحوّل الاهتمام باللغة إلى مشروع حضاري كامل.
في العصر العباسي، بلغ الأدب ذروة تداخله مع الفكر. الجاحظ لم يكن أديبًا بالمعنى الضيق، بل مفكرًا يكتب بلغة ساخرة، تحليلية، نافذة. والمتنبي لم يكن شاعر مديح، بل شاعر فكرة، يرى في الكلمة امتدادًا للذات، وفي اللغة مرآة للسلطة والطموح والخيبة. أما أبو العلاء المعري، فقد مثّل الضمير القَلِق للتراث، ذلك الذي يجرؤ على مساءلة المسلّمات دون أن يخرج من اللغة.
الأدب الأندلسي أضاف بُعدًا جماليًا مختلفًا. الطبيعة دخلت النص، والمدينة صارت موضوعًا شعريًا، والحزن الحضاري تسرّب إلى القصائد قبل سقوط الأندلس بقرون. لم يكن رثاء المدن مجرد بكاء، بل إدراك مبكر لهشاشة القوة حين تنفصل عن القيم والمعرفة.
التراث الأدبي العربي ليس نصوصًا فقط، بل سياقات. لا يُفهم المتن دون عصره، ولا تُقرأ القصيدة دون بيئتها السياسية والاجتماعية. ولهذا فإن التعامل مع التراث إما أن يكون قراءة حية، أو يتحول إلى تحنيط ثقافي. الخطر ليس في التراث، بل في طريقة استهلاكه.
اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى إعادة قراءة الأدب العربي بوصفه ذاكرة فاعلة، لا ماضٍ مغلق. نحتاجه لفهم كيف فكّر أسلافنا في السلطة، في الأخلاق، في الاختلاف، وفي الإنسان. فاللغة التي صنعت حضارة، قادرة على أن تذكّرنا بأن الانحطاط ليس قدرًا، وأن النهضة تبدأ دائمًا من الكلمة.
التراث الأدبي العربي لا يطلب التمجيد، بل الفهم. ومن يفهمه جيدًا، يكتشف أن كثيرًا من أسئلتنا المعاصرة قد طُرحت من قبل، ولكن بعمقٍ أكبر، وصدقٍ أعلى.