رئيس التحرير:
جيوسياسية الصراع الدولي: فافدة تحليلية تُعنى بتفكيك العلاقة بين الجغرافيا والسياسة في ساحات النزاع الدولي، من حيث إعادة توزيع النفوذ، تشكيل المحاور، واستراتيجيات التموضع الجغرافي، بما يشمل خرائط النفوذ البحري والبري والحدودي.
وتشمل هذه النافذة:
النزاعات الجغرافية
تحركات الجيوش والقواعد العسكرية
خطوط أنابيب الغاز والنفط ومسارات التجارة
الجغرافيا في خدمة السياسة أو كأداة ضغط
داعش كذريعة استراتيجية: قراءة في كيفية إعادة أميركا ترتيب دورها في سوريا
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل قليل أن بلاده تقوم بضرب مواقع تنظيم داعش بقوة في سوريا، وحين تزامن ذلك مع تقارير ميدانية عن إطلاق التحالف الدولي صواريخ من قاعدة الشدادي باتجاه الرقة، وسماع انفجارات في دير الزور، بدا المشهد للوهلة الأولى امتدادًا طبيعيًا لما اعتادت عليه المنطقة منذ أكثر من عقد: ضربات جوية، بيانات عسكرية مقتضبة، وعناوين عريضة عن “مكافحة الإرهاب”. غير أن القراءة المتأنية للسياق، وللغة المستخدمة، وللتوقيت، تكشف أن ما يجري يتجاوز منطق الرد الأمني المباشر، ويدخل في إطار أوسع يتعلق بإعادة ضبط ميزان الردع، وترتيب قسمة الأدوار الإقليمية في مرحلة شديدة السيولة.
الضربات الأميركية الأخيرة لا تحمل سمات حرب شاملة، ولا توحي بعودة إلى نمط الحملات الكبرى التي شهدتها سوريا والعراق في ذروة صعود تنظيم الدولة. فلا حديث عن عمليات برية واسعة، ولا مؤشرات على تغيير جذري في قواعد الاشتباك، ولا تعبئة سياسية داخلية أميركية تمهّد لانخراط طويل الأمد. ما نشهده أقرب إلى فعل انتقامي محسوب، أو إلى استخدام محدود للقوة، يُراد منه تثبيت خطوط حمراء أكثر مما يُراد به حسم المعركة مع التنظيمات المتطرفة.
لكن هذا “الانتقام المحسوب” لا يمكن فصله عن لحظة إقليمية دقيقة. فأحداث تدمر، وما رافقها من نشاط متجدد لخلايا تنظيم الدولة في البادية السورية، أعادت فتح ملف طالما حاولت القوى الدولية إبقاءه تحت السيطرة: ملف الفراغات الأمنية، وحدود القدرة المحلية على ضبطها، وخطر تحوّل الجغرافيا الممتدة بين شرق سوريا وغرب العراق إلى مسرح مفتوح لإعادة إنتاج العنف. في مثل هذه اللحظات، تميل واشنطن إلى تذكير الجميع بأنها ما زالت الطرف القادر على التدخل السريع، وعلى توجيه ضربات دقيقة، وعلى التحكم بإيقاع التصعيد دون الانزلاق إلى فوضى شاملة.
غير أن داعش، على أهميته الأمنية، ليس وحده في قلب الحسابات الأميركية. فالتنظيم، في الخطاب الاستراتيجي الأميركي، لم يعد مجرد عدو يُراد القضاء عليه بقدر ما أصبح عاملًا يُدار حضوره وحدود نشاطه بما يخدم توازنات أوسع. فبقاء التهديد ضمن مستوى معيّن يتيح لواشنطن الاستمرار في تبرير وجودها العسكري، ويمنحها هامش حركة سياسيًا وأمنيًا في منطقة تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية.
هنا يبرز شمال شرق سوريا، لا بوصفه ساحة مواجهة مع داعش فقط، بل بوصفه عقدة توازن معقّدة. هذه المنطقة، التي تضم قواعد أميركية، وتخضع لنفوذ قوات سوريا الديمقراطية، وتشكل موضع اهتمام تركي، وتلامس الأمن القومي العراقي، أصبحت نقطة ارتكاز لأي إعادة ترتيب إقليمي محتملة. وفي هذا السياق، فإن إطلاق الصواريخ من قاعدة الشدادي باتجاه الرقة، وامتداد الضربات نحو دير الزور، يحمل رسالة تتجاوز الجغرافيا الضيقة: الرسالة أن المجال السوري الشرقي ما زال تحت رقابة أميركية مباشرة، وأن أي محاولة لإعادة صياغة موازين القوة فيه دون التنسيق مع واشنطن ستظل محفوفة بالمخاطر.
قوات سوريا الديمقراطية، رغم غيابها عن البيانات الرسمية، حاضرة في خلفية المشهد. فهذه القوات تواجه منذ فترة ضغوطًا متراكمة، سياسية وأمنية ومجتمعية، تتراوح بين مطالب إعادة الهيكلة، ودعوات التفكيك أو الدمج، وضغوط إقليمية لا تخفى. وفي مثل هذا المناخ، يصبح خطر داعش عنصر حماية غير مباشر لوضع قسد، لا بوصفها مشروعًا سياسيًا، بل بوصفها أداة ضبط ميداني لا تملك واشنطن بديلًا جاهزًا عنها في المدى المنظور. إعادة تفعيل خطاب مكافحة التنظيم تعني عمليًا تأجيل أي حديث جدي عن إنهاء هذا الدور أو تجاوزه.
لكن المشهد لا يكتمل من دون إدخال اللاعبين الآخرين في المعادلة. فتركيا تراقب بحساسية أي تحرك أميركي شرق الفرات، وسوريا تسعى إلى استعادة دور الدولة في مناطق خرجت عن سيطرتها، والعراق معنيّ مباشرة بمنع انتقال التهديد عبر الحدود، وبضبط أمنه الداخلي في مرحلة سياسية حساسة. في هذا التقاطع، تبدو الضربات الأميركية وكأنها محاولة لإعادة ترتيب “قسمة الأدوار” قبل أن تُفرض وقائع جديدة على الأرض. واشنطن، هنا، لا تعلن رفضها لتغيرات محتملة، لكنها تريد أن تتم هذه التغيرات وفق إيقاعها وشروطها.
اللافت في الخطاب الأميركي أنه يحرص على الفصل بين “الانتقام” و”الحرب”. فالتأكيد على أن الضربات ردٌّ على أحداث محددة، وليس إعلانًا لحملة مفتوحة، يعكس إدراكًا عميقًا لكلفة التورط طويل الأمد في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. لكن هذا الفصل لا يعني غياب الهدف الاستراتيجي، بل يدل على اعتماد مقاربة “الإدارة لا الإنهاء”، حيث تُستخدم القوة كأداة ضبط وتوجيه، لا كوسيلة حسم نهائي.
في هذا الإطار، يمكن قراءة الضربات الأخيرة بوصفها جزءًا من عملية إعادة ضبط ميزان الردع في المنطقة، وليس مجرد فصل جديد في الحرب على الإرهاب. ردع موجّه إلى التنظيمات المتطرفة، وردع غير مباشر إلى القوى الإقليمية، ورسالة طمأنة للحلفاء، مفادها أن واشنطن، رغم تقليص انخراطها المباشر، لم تتخلَّ عن دورها كمنظّم أساسي للتوازن.
الخلاصة أن ما يجري في سوريا اليوم لا يشير إلى نهاية مرحلة ولا إلى بدايتها الكاملة، بل إلى مرحلة انتقالية تُستخدم فيها الأدوات العسكرية المحدودة لإعادة رسم حدود الحركة، ومنع الانفلات، وتأجيل التسويات الكبرى ريثما تنضج شروطها. وفي هذا المشهد، يبقى داعش خطرًا حقيقيًا، لكنه أيضًا جزء من معادلة أوسع تُدار بعناية، حيث تختلط الضرورات الأمنية بالحسابات السياسية، ويُعاد تعريف الردع لا بوصفه تفوقًا مطلقًا، بل قدرة مستمرة على التدخل في اللحظة المناسبة.
التحالفات وتغيّر النظام الدولي: كيف تتكيّف الدول بين الصعود والانحدار؟
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
16 ديسمبر 2025
لم تكن التحالفات يومًا ثابتة بقدر ثبات المصالح التي أنتجتها، ولا دائمة بقدر دوام موازين القوة التي حمتها. فكل نظام دولي يحمل في داخله بذور تحوّله، وكل تحالف يولد وهو يحمل احتمال أفوله. الدول التي أدركت هذه الحقيقة مبكرًا، نجحت في التكيّف مع التحوّلات الكبرى، أما الدول التي تعاملت مع التحالف بوصفه قدرًا نهائيًا، فقد وجدت نفسها خارج التاريخ حين تغيّر النظام الذي استندت إليه.
النظام الدولي ليس بنية جامدة، بل كيان متحرّك، يتشكّل عبر دورات صعود وانحدار. ومع كل دورة، تتغيّر طبيعة التحالفات، وأدوارها، ووظائفها. في القرن التاسع عشر، حكم العالم منطق توازن القوى الأوروبي، حيث كانت التحالفات تُبنى لمنع هيمنة طرف واحد. وحين فشلت هذه الآلية في احتواء التحولات الصناعية والقومية، انهار النظام بأكمله في الحرب العالمية الأولى.
ما بعد الحرب العالمية الثانية شهد ولادة نظام دولي جديد قائم على القطبية الثنائية. التحالفات في تلك المرحلة لم تكن مجرد خيارات سياسية، بل اصطفافات وجودية. دول أوروبا الشرقية لم تدخل حلف وارسو بوصفه تحالف مصالح فحسب، بل بوصفه قدرًا فرضه ميزان القوة السوفيتي. ودول أوروبا الغربية، بالمقابل، ربطت أمنها ومستقبلها بحلف الناتو والمظلّة الأميركية. غير أن هذا النظام، رغم صلابته الظاهرية، كان يحمل في داخله تناقضات اقتصادية وأيديولوجية عميقة.
حين بدأ الاتحاد السوفيتي بالانحدار، لم تسقط التحالفات فجأة، بل تآكلت من الداخل. دول أوروبا الشرقية لم “تنقلب” على حلف وارسو، بل اكتشفت أن التحالف لم يعد يعكس موازين القوة الجديدة ولا تطلعات مجتمعاتها. انهيار النظام الدولي السابق أعاد تعريف التحالفات لا بوصفها خيانة، بل بوصفها إعادة تموضع تاريخية. الدول التي قرأت اللحظة بذكاء انتقلت بسلاسة نسبيًا إلى منظومات جديدة، والدول التي تأخرت دفعت أثمانًا اقتصادية وسياسية باهظة.
في المقابل، تُظهر التجربة الصينية نموذجًا مختلفًا في إدارة التحالفات خلال التحوّل الدولي. الصين، منذ سبعينيات القرن الماضي، لم تربط مصيرها بتحالف عسكري صلب، بل بنت شبكة علاقات مرنة، قائمة على الاقتصاد والتجارة والتدرّج. ومع صعودها الاقتصادي، لم تسعَ إلى نسخ التحالفات الغربية التقليدية، بل إلى صياغة أشكال جديدة من الشراكات، أقل التزامًا عسكريًا، وأكثر قدرة على التكيّف مع تغيّر النظام الدولي. هذا الخيار منحها هامش مناورة واسعًا في مرحلة انتقالية لا تزال مستمرة.
الولايات المتحدة نفسها، بوصفها القوة المهيمنة في النظام الدولي الراهن، تعيد اليوم تعريف تحالفاتها. فالناتو لم يعد مجرد تحالف دفاعي ضد تهديد محدد، بل أداة لإدارة النفوذ في عالم تتصاعد فيه قوى منافسة. التحالفات الأميركية في آسيا، خصوصًا مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، تُعاد هندستها لمواجهة صعود الصين، في حين تُدار التحالفات في الشرق الأوسط بقدر أكبر من البراغماتية، لا الالتزام المطلق. هذا السلوك يعكس إدراكًا أميركيًا بأن النظام الدولي في طور التحوّل، وأن التحالفات يجب أن تكون قابلة لإعادة الضبط.
في العالم العربي، تبدو إشكالية التكيّف أكثر حدّة. كثير من الدول ربطت أمنها وتحالفاتها بمرحلة دولية محددة، دون بناء قدرة ذاتية على المناورة. وحين بدأت ملامح التحوّل تظهر، وجدت نفسها أمام خيارات صعبة: إما الاستمرار في تحالفات لم تعد تضمن الحماية ذاتها، أو القفز غير المحسوب نحو محاور جديدة. في الحالتين، كان غياب الرؤية الاستراتيجية الداخلية هو المشكلة، لا التحالف بحد ذاته.
تركيا تقدّم مثالًا معاصرًا لبلد يحاول التكيّف بين أنظمة دولية متداخلة. فهي عضو في الناتو، لكنها في الوقت ذاته تبني علاقات مع روسيا والصين، وتسعى إلى دور إقليمي مستقل. هذا التوازن ليس خاليًا من التناقضات، لكنه يعكس وعيًا بأن النظام الدولي لم يعد أحادي القطبية كما كان في التسعينيات، وأن التحالف الصلب قد يتحوّل إلى قيد إذا لم يُدار بمرونة.
من منظور القانون الدولي، لا يُجرِّم تغيّر التحالفات، بل يفترضه ضمنيًا. فميثاق الأمم المتحدة لم يُلزم الدول بالبقاء ضمن تحالفات بعينها، بل قيّد استخدام القوة، لا حرية التموضع السياسي. غير أن المشكلة تظهر حين تُربط التحالفات باتفاقيات طويلة الأمد لا تراعي تغيّر الظروف، فتتحوّل من أدوات استقرار إلى مصادر توتر داخلي وخارجي. هنا يعود مبدأ تغيّر الظروف الجوهرية ليشكّل أحد مفاتيح التكيّف القانوني مع التحوّلات الدولية.
التاريخ يعلّمنا أن الدول التي تنجو في مراحل التحوّل ليست الأكثر ولاءً لتحالفاتها، بل الأكثر قدرة على إعادة تعريف مصالحها دون الوقوع في الفوضى. التكيّف لا يعني الانقلاب، كما أن الاستمرارية لا تعني الجمود. الفرق بين الدول الصاعدة والدول المتراجعة يكمن في قدرتها على قراءة التحوّل قبل اكتماله، لا بعد فوات الأوان.
الخلاصة أن التحالفات ليست غاية في ذاتها، بل أدوات ضمن سياق دولي متغيّر. الدولة التي تفهم موقعها في دورة الصعود والانحدار، تبني تحالفاتها بوصفها جسورًا قابلة للتعديل، لا سلاسل تكبّلها بالماضي. أما الدولة التي تُقدّس تحالفاتها، فغالبًا ما تكتشف متأخرة أن النظام الذي حماها قد تغيّر، وأنها بقيت وحدها تدافع عن معادلة لم تعد قائمة.
وفي عالم يتّجه نحو تعددية قطبية مضطربة، يصبح السؤال المركزي في التحليل السياسي والاستراتيجي: هل نملك تحالفات تخدم تحوّلنا، أم تحالفات تُبقينا أسرى مرحلة انتهت؟ هذا السؤال، لا حجم الجيوش ولا عدد الاتفاقيات، هو ما سيحدّد موقع الدول في النظام الدولي القادم.
التحالفات والشرعية الشعبية: لماذا لا تصمد الأحلاف دون قبول المجتمع؟
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
15 ديسمبر 2025
ليست التحالفات كيانات قائمة بذاتها، ولا تعيش على الورق أو في غرف التفاوض وحدها. التحالف، مهما بلغ مستوى تنظيمه العسكري أو إحكامه القانوني، يظل كيانًا هشًّا إذا لم يستند إلى شرعية شعبية تمنحه القبول والاستمرارية. فالدول لا تُقاتل وحدها، ولا تصمد وحدها، ولا تنهار وحدها؛ المجتمعات هي التي تدفع الثمن، وهي التي تمنح أو تسحب الغطاء عن أي خيار تحالفي، ولو بعد حين.
التاريخ السياسي للأمم يكشف بوضوح أن التحالفات التي تُفرض على المجتمعات دون إشراكها، قد تنجح مرحليًا بالقوة أو الخوف أو الإغراء الاقتصادي، لكنها تفشل على المدى المتوسط والطويل، لأن الشرعية لا تُستورد من الخارج، ولا تُصنَع بقرار فوقي. الشرعية، في جوهرها، عقد غير مكتوب بين الدولة ومجتمعها، وحين يُكسر هذا العقد، تصبح التحالفات عبئًا بدل أن تكون مظلّة حماية.
في أوروبا الحديثة، تقدّم تجربة فرنسا بعد الثورة الفرنسية مثالًا دالًا. فقبل الثورة، كانت التحالفات الملكية تُبرم باسم التاج، لا باسم الأمة. وحين انهارت الشرعية الملكية، انهارت معها قدرة الدولة على فرض التزاماتها الخارجية. لم يكن تغيّر التحالفات نتيجة مناورة دبلوماسية فحسب، بل نتيجة انتقال مركز الشرعية من البلاط إلى الشعب. الدولة التي تغيّر عقدها الاجتماعي، تغيّر تحالفاتها تلقائيًا.
في القرن العشرين، تكرّر هذا الدرس على نطاق أوسع. الولايات المتحدة في حرب فيتنام امتلكت تحالفات عسكرية قوية، وتفوّقًا تقنيًا هائلًا، لكنها افتقرت تدريجيًا إلى الشرعية الشعبية الداخلية للحرب. ومع تصاعد المعارضة المجتمعية، لم تعد التحالفات قادرة على الاستمرار، واضطر صانع القرار إلى الانسحاب، لا بسبب الهزيمة العسكرية المباشرة، بل بسبب انهيار القبول الشعبي. هنا يتجلّى بوضوح أن المجتمع قد يكون العامل الحاسم في مصير التحالف، حتى في أقوى الدول.
في المقابل، تُظهر تجربة الاتحاد الأوروبي مرة أخرى الوجه الآخر للصورة. فمشروع الاندماج الأوروبي، رغم تعقيداته، استند في مراحله الأساسية إلى قبول مجتمعي واسع لفكرة تجاوز القومية الصدامية نحو شراكة أوسع. وحين تراجع هذا القبول في بعض الدول، كما في حالة البريكست، لم يُقمع الصوت الشعبي بالقوة، بل تُرجم سياسيًا إلى انسحاب فعلي. التحالف هنا لم ينهَر، لكنه تكشّف على حدوده الطبيعية حين غابت الشرعية الشعبية في إحدى حلقاته.
في العالم العربي، تبدو إشكالية الشرعية أكثر حدة. كثير من التحالفات أُبرمت باسم “المصلحة العليا” أو “الأمن القومي”، دون نقاش عام أو تفويض شعبي. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه التحالفات إلى موضوع انقسام داخلي، لا عامل توحيد. المجتمعات التي لم تُستشر في القرار، وجدت نفسها مطالَبة بتحمّل نتائجه: حروب، أزمات اقتصادية، أو عزلة دولية، دون أن تشعر بأن القرار يمثّلها.
العراق بعد 2003 يقدّم مثالًا مركزيًا في هذا السياق. التحالفات التي شُكّلت لإعادة بناء الدولة لم تُبنَ على توافق مجتمعي، بل على ترتيبات فوقية واصطفافات نخبوية. النتيجة كانت فقدان الثقة بين المجتمع والدولة، وتحويل التحالف من أداة استقرار إلى عامل استقطاب داخلي. ومع غياب الشرعية الشعبية، لم تستطع الدولة تحويل الدعم الخارجي إلى بناء داخلي متماسك.
وفي أفغانستان، تكرّر المشهد بصورة أكثر مأساوية. التحالف الدولي أنشأ مؤسسات، ودعم حكومة، وموّل جيشًا، لكنه فشل في بناء قبول مجتمعي واسع لهذه المنظومة. وحين انسحب الحليف، لم يدافع المجتمع عن الدولة، لأنها لم تكن تمثّله. الشرعية هنا لم تكن ناقصة، بل غائبة، وهو ما جعل التحالف بلا قاعدة اجتماعية تحميه.
من منظور القانون الدولي، لا يُشترط صراحةً “القبول الشعبي” لصحة المعاهدات والتحالفات، طالما وُقّعت من سلطة معترف بها. غير أن تطوّر مفاهيم حق الشعوب في تقرير المصير، والشرعية الديمقراطية، جعل تجاهل المجتمع عاملًا مهدّدًا للاستقرار القانوني والسياسي لأي التزام دولي. فالمعاهدة التي تفتقر إلى قبول داخلي، تبقى عرضة للطعن، أو المراجعة، أو السقوط العملي عند أول تغيّر سياسي.
التحالفات التي تُبنى دون شرعية شعبية تعاني من ثلاث علل بنيوية. أولها هشاشة الاستمرارية، لأنها مرتبطة بأشخاص أو أنظمة لا بعقد اجتماعي. ثانيها ارتفاع كلفة القمع الداخلي للحفاظ عليها، ما يُضعف الدولة بدل تقويتها. ثالثها قابلية التحالف نفسه للتحوّل إلى عامل تفجير داخلي، حين يُنظر إليه بوصفه أداة فرض لا شراكة.
في المقابل، حين تُبنى التحالفات على قبول مجتمعي، ولو جزئي، تتحوّل إلى عنصر استقرار. المجتمع الذي يفهم سبب التحالف، ويشارك في نقاش كلفته وجدواه، يكون أكثر استعدادًا لتحمّل تبعاته، وأكثر قدرة على الدفاع عنه أو مراجعته بوسائل سياسية سلمية. هنا يصبح التحالف خيارًا وطنيًا، لا عبئًا مفروضًا.
الخلاصة التي يفرضها التاريخ أن الشرعية الشعبية ليست ترفًا في السياسة الخارجية، بل شرطًا من شروط بقائها. التحالف الذي يتجاهل المجتمع قد يبدو قويًا على الورق، لكنه ضعيف في الواقع. أما التحالف الذي يستند إلى عقد اجتماعي واضح، فيمتلك قدرة أكبر على الصمود، والتكيّف، والمراجعة، دون أن يتحوّل إلى سبب انهيار داخلي.
في التحليل السياسي والاستراتيجي والقانوني، لا يمكن فصل مصير التحالف عن مزاج المجتمع. فالدولة التي لا تُقنع شعبها بخياراتها الخارجية، لن يستطيع أي حليف في العالم أن يقنعه نيابةً عنها. والشرعية، حين تُفقَد، لا يُعوّضها سلاح، ولا مال، ولا خطاب دبلوماسي.
التحالفات والاقتصاد السياسي: كيف تُدار الموارد كأداة ضبط وهيمنة؟
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
14 ديسمبر 2025
لم تكن التحالفات في تاريخ الأمم يومًا مجرد ترتيبات عسكرية أو تفاهمات دبلوماسية، بل كانت في جوهرها دائمًا عقودًا غير معلنة حول الموارد: من يسيطر، من يوزّع، من يموّل، ومن يُحرَم. فالقوة العسكرية تحمي التحالف، لكن الاقتصاد هو الذي يمنحه الاستمرارية، ويحوّله من تفاهم سياسي عابر إلى بنية هيمنة طويلة الأمد. ومن هنا، لا يمكن فهم مسيرة التحالفات دون الغوص في الاقتصاد السياسي الذي يقف خلفها.
في الإمبراطوريات القديمة، كان التحالف مرادفًا للسيطرة على طرق التجارة. روما لم تتوسع فقط بالسيف، بل بتحالفات ضمنت لها التحكم في طرق الحبوب من مصر، والمعادن من إسبانيا، والتجارة البحرية في المتوسط. وعندما اختلّ هذا التوازن الاقتصادي، وخرجت الموارد عن السيطرة المركزية، بدأت الإمبراطورية بالتفكك، مهما بلغت قوتها العسكرية. التحالفات التي لم تعد تضمن تدفّق الموارد تحوّلت من أداة قوة إلى عبء إداري وعسكري.
في العصر الاستعماري الحديث، بلغ هذا المنطق ذروته. التحالفات الأوروبية لم تكن تُبنى لحماية المستعمرات فقط، بل لتنظيم نهبها. شركة الهند الشرقية لم تكن كيانًا اقتصاديًا فحسب، بل ذراعًا تحالفيًا–سياسيًا، حظي بحماية عسكرية وقانونية مكّنته من التحكم في موارد الهند، وتوجيه سياساتها، وإعادة تشكيل اقتصادها بما يخدم المركز الإمبراطوري. هنا لم يكن التحالف بين الدولة والشركة تحالف مصالح متكافئة، بل نموذجًا مبكرًا لاندماج القوة السياسية بالهيمنة الاقتصادية.
في القرن العشرين، أعادت الولايات المتحدة صياغة هذا النموذج بصيغة أكثر تطورًا. بعد الحرب العالمية الثانية، لم تُبنَ التحالفات الغربية فقط عبر الأحلاف العسكرية كحلف الناتو، بل عبر نظام اقتصادي عالمي قوامه الدولار، ومؤسسات بريتون وودز: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. التحالف هنا لم يكن اختياريًا بالكامل؛ فالاندماج في النظام الاقتصادي العالمي كان مشروطًا بالقبول بقواعده، ومن يخرج عن هذه القواعد يجد نفسه معزولًا ماليًا وتجاريًا.
خطة مارشال، التي تُقدَّم غالبًا بوصفها مشروع إعادة إعمار إنساني، كانت في جوهرها أداة تحالف اقتصادي–سياسي بامتياز. أوروبا الغربية لم تُعاد بناؤها فقط، بل أُعيد ربطها اقتصاديًا بالولايات المتحدة، وربط أمنها العسكري بناتو، واقتصادها بالدولار. هذا التحالف نجح لأنه جاء متزامنًا مع تعافٍ داخلي ورغبة شعبية في الاستقرار، لكنه يظل مثالًا واضحًا على كيف يمكن للاقتصاد أن يكون العمود الفقري للتحالف.
في المقابل، تكشف تجارب دول الجنوب عن الوجه الآخر لهذا المنطق. كثير من التحالفات الاقتصادية لم تكن أدوات تنمية، بل آليات ضبط. برامج التكيّف الهيكلي التي فُرضت على دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، جاءت ضمن تحالف غير متكافئ بين الحكومات المحلية والمؤسسات المالية الدولية. القروض ارتبطت بشروط قاسية: خصخصة، تقليص إنفاق اجتماعي، فتح الأسواق، وإعادة توجيه الاقتصاد لخدمة الدائنين. التحالف هنا لم ينهض بالاقتصاد، بل أعاد تشكيله بما يخدم الخارج.
في الشرق الأوسط، يرتبط التحالف الاقتصادي ارتباطًا وثيقًا بالطاقة. النفط والغاز لم يكونا مجرد موارد، بل أدوات استراتيجية أعادت رسم التحالفات. منذ سبعينيات القرن الماضي، شكّل أمن الطاقة أحد أعمدة التحالفات الأميركية في الخليج. في المقابل، لم يكن هذا التحالف مجانيًا؛ فقد ارتبطت العملات، والعقود العسكرية، والسياسات المالية، وحتى خيارات التنمية، بسقف المصلحة الاستراتيجية للحليف الأقوى. الموارد هنا لم تكن مصدر استقلال، بل عنصر تفاوض دائم على السيادة.
تجربة إيران بعد الثورة تبرز مثالًا مختلفًا. العقوبات الاقتصادية، التي فُرضت ضمن تحالفات دولية، لم تكن مجرد أداة ضغط، بل محاولة لإعادة هندسة السلوك السياسي عبر الاقتصاد. ورغم أن إيران نجحت في بناء قدر من الصمود، إلا أن المجتمع دفع كلفة اقتصادية عالية. التحالفات والعقوبات هنا لم تُسقط الدولة، لكنها أعادت تشكيل اقتصادها ومساراته، وأثّرت بعمق في خياراتها الداخلية والخارجية.
في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لعب الاقتصاد دورًا حاسمًا في إعادة التموضع التحالفي. الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لم يكن قرارًا سياسيًا فقط، بل خيارًا اقتصاديًا استراتيجيًا، قايضت فيه الدول جزءًا من سيادتها الاقتصادية مقابل الاستقرار والنمو. هذا التحالف نجح نسبيًا لأنه جاء بعد انهيار منظومة قديمة، ورغبة داخلية واسعة في الاندماج، لا لأنه فُرض بالقوة.
أما في حالات أخرى، فقد تحوّلت الموارد إلى أداة ابتزاز تحالفي. الدين الخارجي أصبح أحد أخطر أدوات ضبط القرار السيادي. دول تجد نفسها مضطرة لتبنّي سياسات وتحالفات لا لأنها تخدم مصالحها طويلة الأمد، بل لأنها تضمن استمرار التمويل أو تجنّب الانهيار الفوري. هنا يصبح الاقتصاد ساحة ضغط صامتة، أخطر من التدخل العسكري المباشر.
من منظور القانون الدولي، لا تُعدّ السيطرة الاقتصادية بذاتها انتهاكًا صريحًا، ما لم تقترن باستخدام القوة. غير أن تطور مفهوم السيادة الاقتصادية وحق الشعوب في التنمية يفتح الباب أمام مساءلة أخلاقية وقانونية أوسع. فحين تُستخدم التحالفات الاقتصادية لإفقار المجتمعات، أو تجريدها من حقها في تقرير سياساتها الاقتصادية، يصبح التحالف أداة هيمنة، لا شراكة مشروعة.
الخلاصة التي تفرضها التجارب التاريخية أن التحالفات الاقتصادية إمّا أن تكون رافعة سيادة حين تُدار بعقل وطني، أو قيدًا مركزيًا حين تُبنى على اختلال القوة. الموارد، حين تُستخدم لتعزيز الداخل، تقوّي التحالف. وحين تُستخدم لضبط الداخل لصالح الخارج، تُحوّل التحالف إلى علاقة تبعية طويلة الأمد.
في التحليل السياسي والاستراتيجي، لا يكفي أن نسأل: من هو الحليف؟ بل يجب أن نسأل: من يسيطر على الموارد؟ من يضع قواعد الاقتصاد؟ ومن يدفع ثمن الاستقرار الظاهري؟ فالتاريخ يُظهر بوضوح أن الدولة التي تفقد سيادتها الاقتصادية، تفقد تدريجيًا قدرتها على الخروج من أي تحالف، مهما بدا آمنًا في بدايته.
التحالفات وسقوط الدول: لماذا تفشل الأحلاف حين ينهار الداخل؟
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
13 ديسمبر 2025
لا تسقط الدول فجأة، كما لا تنهار الأحلاف دفعة واحدة. ما يسقط أولًا هو الداخل: شرعية الحكم، تماسك المجتمع، ثقة المواطن بالدولة، وقدرة المؤسسات على تمثيل الإرادة العامة. وعندما ينهار هذا الأساس، تتحوّل أقوى التحالفات الخارجية من مظلّة حماية إلى شاهد صامت على التفكك، أو إلى عامل تسريع للانهيار ذاته. التاريخ، قديمه وحديثه، يكشف أن التحالف لا يعوّض الدولة، ولا يرمّم شرعية مفقودة، ولا ينقذ كيانًا فقد توازنه الداخلي.
الإمبراطوريات الكبرى نفسها لم تسقط بسبب هزيمة عسكرية واحدة، بل لأن تحالفاتها الخارجية جاءت متأخرة عن انهيار داخلي عميق. الإمبراطورية الرومانية الغربية مثال كلاسيكي على ذلك. فقبل سقوط روما عام 476م، كانت الإمبراطورية قد أبرمت تحالفات متعددة مع قبائل جرمانية، بعضها دخل الجيش الروماني حليفًا أو مرتزقًا. غير أن هذا التوسّع التحالفي لم يعالج تفكك الإدارة، ولا الفساد، ولا التفاوت الاجتماعي، ولا فقدان الولاء للدولة المركزية. وحين ضعفت روما من الداخل، لم تعد التحالفات قادرة على حماية المركز، بل تحوّلت بعض القوى “الحليفة” إلى بدائل سلطوية على أنقاض الدولة.
في أوروبا الحديثة، تكرّر المشهد بصيغة مختلفة. الإمبراطورية العثمانية، التي دخلت القرن التاسع عشر وهي محاطة بتحالفات وتفاهمات مع قوى أوروبية، لم تسقط بسبب نقص التحالفات، بل بسبب عجزها عن إصلاح الداخل. معاهدات، قروض، ترتيبات أمنية، و”حماية” للأقليات، كلها وُظّفت باسم الحفاظ على الدولة، لكنها عمليًا عمّقت التبعية، وقيّدت القرار السيادي، وساهمت في تفكك البنية السياسية. التحالف هنا لم يكن سبب السقوط المباشر، لكنه لم يكن أداة إنقاذ، بل إطار إدارة لانحدار طويل.
في القرن العشرين، تقدّم ألمانيا النازية مثالًا معاكسًا في الظاهر، متشابهًا في الجوهر. فقد بنت تحالفات عسكرية واسعة، وفرضت وقائع استراتيجية سريعة، لكنها قامت على نظام داخلي قائم على القمع، وتعبئة عدوانية، واقتصاد حرب. التحالفات التي بُنيت بالقوة انهارت فور تراجع ميزان القوة، لأن الداخل لم يكن مستعدًا لتحمّل الهزيمة، ولا النظام قادرًا على التحوّل. هنا يتضح أن التحالفات التي تُبنى على التوسّع لا على الاستقرار، تنهار بانهيار المشروع الداخلي.
أما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فتقدّم تجربة الاتحاد السوفيتي درسًا بالغ الأهمية. فقد امتلك الاتحاد شبكة تحالفات واسعة ضمن حلف وارسو، وسيطر على فضاء جيوسياسي ضخم. غير أن هذه التحالفات لم تكن تعبيرًا عن اندماج حقيقي، بل عن ضبط أمني وسياسي. ومع تآكل الاقتصاد، وفقدان الشرعية الأيديولوجية، وانفصال المجتمع عن الدولة، لم تنقذ التحالفات النظام، بل تفكّكت معه. دول أوروبا الشرقية لم “تُغزَ” بعد 1989، بل انسحبت من منظومة تحالف فقدت مبرّرها الداخلي.
في المقابل، تُظهر تجربة الاتحاد الأوروبي الوجه الآخر للصورة. هذا الكيان لم ينهض بتحالف عسكري في بداياته، بل بتفاهم اقتصادي–سياسي بُني على مصالح داخلية متقاربة، وإرادة شعوب سئمت الحروب. التحالف هنا جاء تتويجًا لتعافٍ داخلي، لا تعويضًا عن انهيار. ولذلك، رغم الأزمات العميقة التي واجهها الاتحاد لاحقًا، من أزمة اليورو إلى البريكست، لم يؤدِّ الخلاف إلى انهيار شامل، لأن الأساس الداخلي بقي قائمًا.
في عالم ما بعد الاستعمار، تتكرر القاعدة نفسها بصور أكثر قسوة. دول عديدة سعت إلى تعويض هشاشتها الداخلية بتحالفات خارجية سريعة. فيتنام الجنوبية، على سبيل المثال، امتلكت دعمًا وتحالفًا عسكريًا أميركيًا هائلًا، لكنها افتقرت إلى شرعية داخلية حقيقية. وحين انسحب الحليف، سقط الكيان في أيام معدودة. لم تكن الهزيمة عسكرية بقدر ما كانت انهيارًا داخليًا مؤجّلًا.
الأمر ذاته ينطبق على أفغانستان قبل 2021. عشرون عامًا من التحالف الدولي، وبناء مؤسسات شكلية، ودعم أمني غير مسبوق، لم تمنع سقوط الدولة خلال أسابيع، لأن الداخل لم يكن متماسكًا، ولم يشعر المجتمع بأن الدولة تمثّله. التحالف، مهما بلغ حجمه، لم يكن بديلًا عن العقد الاجتماعي المفقود.
في منطقتنا العربية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، لكنها لا تخرج عن القاعدة ذاتها. دول دخلت في تحالفات إقليمية ودولية لتأمين “الاستقرار”، لكنها أهملت الداخل، فانهار الاقتصاد، وتفكك المجتمع، وتآكلت الثقة. لبنان نموذج دالّ، حيث لم تؤدِّ شبكة التحالفات والضمانات الخارجية إلى حماية الدولة، بل إلى إدارة انهيارها. العراق بعد 2003 بدوره لم يفشل بسبب غياب التحالفات، بل بسبب تحالفات لم تُبنَ على مشروع وطني جامع، فصار الخارج حاضرًا بقوة، والداخل غائبًا عن القرار.
من الناحية القانونية، لا يمنح القانون الدولي أي تحالف حصانة مطلقة أمام انهيار الدولة المتحالفة. فالميثاق الأممي، رغم اعترافه بالتحالفات الدفاعية، يفترض وجود دولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها، وتمثيل شعبها. وعندما تفقد الدولة هذه القدرة، يتحوّل التحالف إلى علاقة غير متوازنة، وقد يُستخدم لتبرير تدخلات أوسع، بدل حماية السيادة.
الدرس الاستراتيجي الذي يتكرر عبر التاريخ واضح: التحالف لا ينقذ دولة فقدت داخلها. قد يؤجّل السقوط، وقد يخفّف الصدمة، لكنه لا يعالج السبب الجوهري. الدولة التي لا تمتلك شرعية داخلية، ولا اقتصادًا قابلًا للحياة، ولا مؤسسات تعبّر عن مجتمعها، تتحوّل في أفضل الأحوال إلى كيان مُدار من الخارج، وفي أسوأها إلى ساحة صراع بين الحلفاء أنفسهم.
الخلاصة أن التحالفات تنجح حين تكون امتدادًا لقوة داخلية، لا بديلًا عنها. وحين ينهار الداخل، لا تسقط التحالفات وحدها، بل تسقط معها فكرة الدولة ذاتها. لذلك، فإن السؤال الحقيقي في التحليل السياسي والاستراتيجي ليس: ما هو حجم التحالف؟ بل: ما هو حال الداخل الذي يفترض أن يحميه هذا التحالف؟ فالتاريخ لا يرحم الدول التي تهرب إلى الخارج قبل أن تُصلح بيتها من الداخل.
التحالفات ومعاهدات الإذعان: المشروعية القانونية للمراجعة وحقّ الشعوب في فكّ القيد
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
12 ديسمبر 2025
لم تُكتب المعاهدات في تاريخ العلاقات الدولية بوصفها نصوصًا محايدة دائمًا، بل كثيرًا ما كانت انعكاسًا مباشرًا لاختلال ميزان القوة بين أطرافها. فبين معاهدة تُبرمها دولتان متكافئتان ضمن إرادة حرة، وأخرى تُوقَّع تحت الاحتلال أو التهديد أو الانهيار الداخلي، تتحدد شرعية النص قبل أن يُحتكم إلى ألفاظه. هنا تظهر معاهدات الإذعان بوصفها أحد أخطر منتجات النظام الدولي غير المتكافئ، حيث تتحوّل الورقة القانونية إلى قيد سيادي طويل الأمد، وتُغلّف الهيمنة بلغة الالتزام.
القانون الدولي، خلافًا لما يُروَّج أحيانًا، لا يمنح حصانة مطلقة لأي معاهدة لمجرّد توقيعها. فمنذ بدايات تقنين العلاقات الدولية، ظلّ مبدأ الرضا الحر ركنًا أساسيًا في صحة الالتزام الدولي. ومع تطور هذا المبدأ، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، بات واضحًا أن الرضا المشوب بالإكراه لا يُنشئ التزامًا مشروعًا، مهما بدا النص متماسكًا شكليًا.
اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 جاءت لتضع هذا المبدأ في صلب البناء القانوني. فقد نصّت المادة 52 صراحة على بطلان أي معاهدة أُبرمت نتيجة التهديد باستعمال القوة أو استعمالها، في مخالفة لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة. هذا النص لم يكن تنظيرًا أخلاقيًا، بل نتيجة تراكم تاريخي طويل من التجارب التي أثبتت أن المعاهدات المفروضة لا تُنتج سلامًا مستدامًا، بل تؤسس لصراعات مؤجلة.
التاريخ الأوروبي ذاته يقدّم مثالًا مبكرًا على ذلك. معاهدة فرساي عام 1919، التي فُرضت على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، لم تكن مجرد تسوية سلام، بل نموذجًا لمعاهدة إذعان مكتملة الأركان. قيود عسكرية خانقة، تعويضات مالية هائلة، ونزع لشرعية الدولة المهزومة. النتيجة لم تكن استقرارًا، بل انهيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، وصعودًا لقوى راديكالية أعادت أوروبا إلى حرب أكثر دموية. هنا تكشف التجربة أن المعاهدة، حين تُبنى على الإذلال لا التوازن، تفقد شرعيتها الواقعية حتى لو اكتسبت شكلًا قانونيًا.
في السياق الآسيوي، شكّلت المعاهدات غير المتكافئة التي فُرضت على الصين في القرن التاسع عشر مثالًا صارخًا لمعاهدات الإذعان. معاهدات نانكينغ وتيانجين وغيرها فُرضت بالقوة العسكرية، وفتحت الموانئ، ومنحت امتيازات قضائية وتجارية للأجانب، وقوّضت السيادة الصينية لعقود. هذه المعاهدات لم تُلغَ لأنها كانت “قديمة” فحسب، بل لأنها افتقرت منذ البداية إلى شرط الرضا الحر، وهو ما اعترفت به الصين لاحقًا ضمن مسار استعادة السيادة.
في العالم العربي، تتكرّر الصورة بأشكال مختلفة. اتفاقيات فُرضت أثناء الاحتلال أو في ظل اختلال بنيوي في القوة تحوّلت إلى مصادر جدل قانوني وسيادي دائم. معاهدات أُبرمت تحت وجود عسكري مباشر، أو تحت تهديد العقوبات والعزلة، لا يمكن فصلها قانونيًا عن سياق الإكراه الذي أحاط بها. القانون الدولي لا ينظر إلى النص في فراغ، بل إلى الظروف التي وُلد فيها.
تجربة العراق بعد عام 2003 تطرح إشكالية مركّبة في هذا السياق. فالدولة التي أعيد تشكيلها تحت الاحتلال وقّعت سلسلة من الاتفاقيات الأمنية والسياسية والاقتصادية في ظل سيادة منقوصة. السؤال القانوني هنا ليس سياسيًا: هل كانت الإرادة الوطنية مكتملة؟ وهل كانت مؤسسات الدولة قادرة فعليًا على الرفض أو التعديل؟ هذه الأسئلة تفتح الباب أمام نقاش مشروع حول قابلية المراجعة القانونية لمثل هذه الاتفاقيات، لا بوصفها نقضًا للتعهدات، بل بوصفها استعادة لشرط الرضا الحر.
في إفريقيا، نجد نماذج مشابهة. دول خرجت من الاستعمار وهي مثقلة باتفاقيات اقتصادية وأمنية قيّدت سيادتها النقدية والعسكرية لعقود. فرنسا، على سبيل المثال، حافظت عبر منظومة الفرنك الإفريقي واتفاقيات دفاعية ثنائية على نفوذ طويل الأمد، رغم انتهاء الاستعمار الرسمي. هذه الاتفاقيات، وإن لم تُفرض دائمًا بالقوة العسكرية المباشرة، إلا أنها بُنيت على اختلال بنيوي في القوة، ما جعل مشروعيتها محل نقاش قانوني متجدد داخل القارة.
حتى في السياق الأميركي اللاتيني، ظهرت معاهدات واصطفافات فُرضت تحت ضغط التدخلات السياسية والعسكرية، ثم أُعيدت مراجعتها لاحقًا مع تغيّر موازين القوى. بعض الدول نجحت في إعادة التفاوض، لا عبر القطيعة الفوضوية، بل عبر استدعاء مبادئ القانون الدولي ذاتها: تغيّر الظروف الجوهرية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وسمو القواعد الآمرة.
القانون الدولي يقدّم للدول أدوات مشروعة للمراجعة، لا للفوضى. مبدأ تغيّر الظروف الأساسية (Rebus Sic Stantibus) يسمح بإعادة النظر في المعاهدات حين تنتفي الشروط التي بُنيت عليها. كما أن القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens) تُبطل أي التزام يتعارض مع حق الشعوب في الاستقلال أو يحمي عدوانًا أو احتلالًا.
غير أن ممارسة هذا الحق تتطلّب وعيًا سياسيًا وقانونيًا عاليًا. فالمراجعة ليست فعلًا انفعاليًا، بل مسارًا مؤسسيًا مدروسًا، يُراكم الحجج القانونية، ويستثمر التحولات الدولية، ويُعيد بناء الشرعية الداخلية قبل مخاطبة الخارج. التجارب الناجحة في التاريخ لم تكن تلك التي مزّقت المعاهدات فجأة، بل التي حوّلت القانون نفسه إلى أداة تحرّر.
الخلاصة أن معاهدات الإذعان ليست قدرًا أبديًا، ولا نصوصًا مقدسة. شرعيتها مشروطة، وقابليتها للمراجعة قائمة متى انتفى الرضا الحر أو تغيّرت الظروف أو تعارضت مع القواعد الآمرة. التحالفات التي تُفرض بالقوة قد تستمر زمنًا، لكنها لا تكتسب مشروعية تاريخية، لأن الشرعية لا تُستمد من التوقيع، بل من العدالة والتوازن.
وحين تمتلك الدول والشعوب وعيها القانوني، يصبح القانون الدولي، رغم كل اختلالاته، ساحة صراع لصالح الضعفاء، لا حكرًا على الأقوياء. هنا فقط، تتحوّل المعاهدة من قيد إلى أداة، ومن إذعان إلى محطة مؤقتة في مسار استعادة السيادة.
التحالفات واستخدام القوة في القانون الدولي: بين ميثاق الأمم المتحدة وواقع الهيمنة
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
11 ديسمبر 2025
يُفترض أن يكون القانون الدولي، في جوهره، الإطار الناظم لاستخدام القوة، والضابط الأعلى لعلاقات الدول، والضامن الأخير لعدم انزلاق النظام الدولي إلى شريعة الغاب. غير أن التجربة التاريخية منذ منتصف القرن العشرين تكشف مفارقة عميقة: كلما تطوّر النص القانوني، ازدادت قدرة القوى الكبرى على الالتفاف عليه، لا عبر خرقه الصريح فقط، بل عبر توظيف التحالفات بوصفها أدوات لإعادة تعريف المشروعية ذاتها.
منذ اعتماد ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، جرى وضع قيود واضحة على استخدام القوة في العلاقات الدولية. المادة الثانية، الفقرة الرابعة، نصّت صراحة على حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. هذا النص لم يكن تفصيلاً إجرائيًا، بل كان حجر الزاوية في النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية، وردًّا مباشرًا على كوارث التحالفات العسكرية غير المنضبطة التي قادت إلى دمار شامل.
غير أن الميثاق، وهو يضع هذا الحظر، فتح في الوقت ذاته بابين استثنائيين: حق الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة 51، واستخدام القوة بتفويض من مجلس الأمن في إطار حفظ السلم والأمن الدوليين. هذان الاستثناءان، اللذان صُمِّما لضبط الضرورة، تحوّلا مع الزمن إلى منافذ واسعة لإعادة إنتاج القوة خارج روح النص.
في السياق التحالفي، أصبح حق الدفاع عن النفس مفهومًا قابلًا للتوسيع والتأويل. لم يعد مرتبطًا بوقوع هجوم مسلح مباشر فحسب، بل جرى تمديده ليشمل “التهديدات المحتملة”، و”الضربات الاستباقية”، و”الدفاع الجماعي” ضمن أحلاف عسكرية. هنا، لم تعد الدولة تُقدّر الخطر وحدها، بل يُعاد تعريف الخطر داخل غرفة تحالف، تُصاغ فيها الأولويات وفق ميزان القوة لا وفق معيار الضرورة القانونية.
أما مجلس الأمن، الذي أُنيط به احتكار شرعية استخدام القوة الجماعية، فقد تحوّل عمليًا إلى ساحة تجاذب بين القوى الكبرى، حيث يُستخدم حق النقض (الفيتو) لتعطيل أي مساءلة حقيقية، أو لشرعنة تدخلات انتقائية. في هذا الإطار، لم تعد التحالفات تنتظر دائمًا تفويضًا صريحًا، بل باتت تتصرّف على أساس “شرعية الأمر الواقع”، ثم تسعى لاحقًا إلى تغطية قانونية، إن لزم الأمر.
حلف شمال الأطلسي يمثّل نموذجًا دالًا في هذا السياق. فالحلف، الذي أُنشئ كتحالف دفاعي، أعاد تعريف دوره بعد نهاية الحرب الباردة، ووسّع نطاق عملياته خارج الإقليم، مستندًا إلى تفسيرات مرنة لمفاهيم الأمن الجماعي وحماية المدنيين. تدخل الناتو في كوسوفو عام 1999، دون تفويض صريح من مجلس الأمن، شكّل سابقة خطيرة، حيث جرى تبرير استخدام القوة أخلاقيًا، رغم غياب الأساس القانوني الصريح. منذ تلك اللحظة، دخل النظام الدولي مرحلة جديدة، باتت فيها الشرعية تُصاغ داخل التحالف لا داخل المؤسسة الأممية.
في المقابل، كشفت الحروب التي قادتها تحالفات دولية في أفغانستان والعراق عن حدود الخطاب القانوني حين يُفصل عن الواقع السياسي. ففي الحالة العراقية، جرى بناء سردية قانونية حول “التهديد” و”تنفيذ قرارات سابقة”، لكن الواقع أثبت لاحقًا أن الأساس القانوني كان هشًا، وأن التحالف استخدم القوة خارج إطار الضرورة الملحّة التي يشترطها القانون الدولي. ومع ذلك، لم تُفعَّل أي آلية مساءلة جدّية، لا على مستوى الدول ولا على مستوى القيادات.
هذا الخلل البنيوي يطرح سؤالًا جوهريًا: هل لا يزال القانون الدولي يحكم التحالفات، أم أن التحالفات باتت تعيد تعريف القانون الدولي؟ الواقع يشير إلى أن ميزان القوة داخل النظام الدولي يسمح لبعض التحالفات بأن تتحوّل إلى مصادر شبه تشريعية للمشروعية، حيث يُستبدل النص بالتفسير، والمبدأ بالسابقة، والقاعدة بالاستثناء الدائم.
الأمر لا يتوقف عند استخدام القوة فحسب، بل يمتد إلى ما بعده. فالعقوبات الجماعية، والحصار الاقتصادي، وإعادة هندسة الأنظمة السياسية، غالبًا ما تُمارس ضمن أطر تحالفية، وتُقدَّم بوصفها أدوات قانونية أو إنسانية، رغم آثارها الواسعة على حقوق الشعوب. هنا يتقاطع القانون الدولي مع القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، لكن دون ضمانات فعالة تمنع إساءة الاستخدام.
من الناحية النظرية، لا يُجرِّم القانون الدولي التحالفات بحد ذاتها. التحالف، كعلاقة بين دول ذات سيادة، يظل مشروعًا ما دام لا ينتهك القواعد الآمرة، ولا يُستخدم كوسيلة لشن عدوان أو تقويض استقلال الدول الأخرى. غير أن الإشكال يكمن في غياب آليات رقابية مستقلة قادرة على الفصل بين التحالف المشروع والتحالف الوظيفي الذي يُستخدم لتجاوز القيود القانونية.
في هذا السياق، تصبح الدول الأضعف هي الحلقة الأكثر هشاشة. فالدولة التي تنخرط في تحالف غير متكافئ، قد تجد نفسها ملزمة قانونيًا وسياسيًا بقرارات لم تصنعها، وتتحمّل تبعات قانونية وأخلاقية لأفعال لم تكن صاحبة القرار فيها. وهنا يتحوّل التحالف من ضمانة أمنية إلى عبء سيادي، ومن أداة حماية إلى قناة لنقل المسؤولية دون نقل السلطة.
الخلاصة أن الفجوة بين نصوص ميثاق الأمم المتحدة وواقع التحالفات المعاصرة ليست فجوة تقنية، بل أزمة شرعية. فحين يُستخدم القانون لتبرير القوة بدل تقييدها، وحين تتحوّل التحالفات إلى بديل عن النظام الجماعي، يفقد القانون الدولي وظيفته الحمائية، ويغدو جزءًا من منظومة الهيمنة لا كابحًا لها.
إعادة الاعتبار للقانون الدولي لا تمرّ عبر تعديل النصوص فقط، بل عبر إعادة ضبط العلاقة بين التحالف والسيادة، وبين القوة والمشروعية. فالقانون، إن لم يكن قادرًا على حماية الضعيف من القوي، وعلى إخضاع التحالفات لميزان المساءلة، يتحوّل من أداة عدالة إلى لغة تبرير، ومن إطار تنظيم إلى قناع سياسي.
التحالفات والإعلام: كيف تُصاغ السرديات لتبرير الحرب وصناعة السلام؟
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
10 ديسمبر 2025
لم تعد التحالفات في العصر الحديث تُدار في غرف السياسة المغلقة وحدها، بل باتت تُبنى وتُبرَّر وتُحمى عبر ساحة موازية لا تقل خطورة عن ساحات القتال: ساحة الإعلام. فالحرب لم تعد تبدأ بإطلاق النار، بل بإطلاق السردية، ولم يعد السلام يُوقَّع فقط على الورق، بل يُسوَّق في الوعي الجمعي بوصفه الخيار “العقلاني” الوحيد، حتى حين يكون ثمرة اختلال عميق في ميزان القوة.
في هذا السياق، لم يعد الإعلام ناقلًا للأحداث، بل أصبح شريكًا بنيويًا في صناعة التحالفات، وتطبيعها، وإعادة تعريفها أخلاقيًا وسياسيًا. فقبل أن تُوقَّع المعاهدة، تُمهَّد لها الأرضية النفسية؛ وقبل أن تبدأ الحرب، يُعاد تشكيل صورة العدو والحليف في ذهن الجمهور؛ وقبل أن يُفرض السلام، يُصاغ خطاب يجرّد المجتمع من حقه في الاعتراض.
تاريخيًا، لعب الإعلام دورًا مركزيًا في الحروب الكبرى. الصحافة الأوروبية في القرن التاسع عشر لم تكن بريئة في تعبئة الشعوب خلف المشاريع الإمبراطورية، كما أن الدعاية خلال الحربين العالميتين مثّلت أحد أهم أسلحة المعركة. غير أن التحوّل الأخطر جاء في النصف الثاني من القرن العشرين، حين انتقلت الدعاية من خطاب فجّ مباشر إلى هندسة سردية معقّدة، تُغلّف المصالح بلغة القيم، وتُعيد تعريف العدوان بوصفه دفاعًا، والهيمنة بوصفها شراكة.
في زمن التحالفات الكبرى، يصبح الإعلام أداة لضبط الرأي العام داخل الدول المتحالفة، أكثر منه وسيلة إقناع للعدو. فالجمهور، لا الخصم، هو الهدف الأول. يُطلب منه أن يتقبّل الحرب بوصفها ضرورة، أو السلام بوصفه إنجازًا، أو التحالف بوصفه قدرًا لا بديل عنه. هنا لا يُطرح السؤال الحقيقي: هل يخدم هذا التحالف مصلحة المجتمع؟ بل يُستبدل بسؤال مُوجَّه: أليس البديل أسوأ؟
تجربة الحروب الأميركية الحديثة تقدّم مثالًا واضحًا على هذا الدور. قبل غزو العراق عام 2003، لم يكن التحالف العسكري وحده هو الذي أُعدّ بعناية، بل السردية الإعلامية التي سبقته. جرى تسويق الحرب بوصفها دفاعًا عن الأمن العالمي، وحماية من أسلحة دمار شامل لم تكن موجودة، ونشرًا للديمقراطية في منطقة “غير قابلة للحكم”. التحالف لم يُقدَّم كخيار سياسي قابل للنقاش، بل كحتمية أخلاقية، وأي اعتراض عليه عُدّ تواطؤًا مع “الشر”.
الأمر نفسه تكرّر، بصيغ مختلفة، في أفغانستان، وفي تدخلات لاحقة، حيث تحوّل الإعلام إلى أداة لإعادة تدوير السردية التحالفية، حتى بعد تهاوي مبرّراتها الواقعية. وعندما فشلت المشاريع، لم يُحاسَب التحالف بوصفه قرارًا خاطئًا، بل أُعيد تأطير الفشل على أنه “سوء تنفيذ” أو “تعقيد الواقع المحلي”.
في منطقتنا العربية، يتخذ دور الإعلام بعدًا أكثر خطورة، بسبب هشاشة المجال العام وضعف التعددية. هنا لا يُستخدم الإعلام فقط لتبرير التحالف، بل لإسكات أي نقاش حوله. تُصاغ السرديات الرسمية بلغة الأمن القومي، أو الخطر الوجودي، أو المؤامرة الدائمة، بحيث يصبح التحالف مع الخارج مسألة بقاء، لا خيارًا سياسيًا. وفي المقابل، يُشيطَن أي صوت ناقد بوصفه تهديدًا للاستقرار أو أداة للخصوم.
الأخطر من ذلك أن التحالفات لا تُبرَّر إعلاميًا فقط عند نشوئها، بل يُعاد إنتاجها يوميًا عبر خطاب يربط شرعية النظام ذاته بشرعية الحليف. في هذه الحالة، لا يعود الإعلام حارسًا للمصلحة العامة، بل ضامنًا رمزيًا لاستمرارية التبعية. يُعاد تشكيل الوعي الجمعي بحيث يصبح نقد التحالف مساويًا لنقد الدولة، أو حتى خيانة لها.
ومع تطور الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، دخلنا مرحلة أكثر تعقيدًا. لم تعد السردية تُبث من مركز واحد، بل تُصنَع عبر شبكة من المؤثرين، والخبراء، والحسابات الوظيفية، والذكاء الاصطناعي. تُضخّ الرسائل بجرعات صغيرة، متكررة، ومتناقضة أحيانًا، لكنها تصب في اتجاه واحد: تطبيع التحالف، وتحييد العقل النقدي، وإغراق الجمهور في تفاصيل جانبية تُبعده عن السؤال الجوهري.
في هذا المناخ، يتحوّل الإعلام من مساحة مساءلة إلى أداة إدارة إدراك. لا يُطلب من الجمهور أن يقتنع بالكامل، بل أن يتعب من التفكير، وأن يقبل بالأمر الواقع بوصفه “أقلّ الشرور”. وهنا تكمن أخطر وظائف السردية التحالفية: ليس إقناع الناس بأن القرار صائب، بل إقناعهم بأنه لا يمكن تغييره.
التحالفات التي تُدار بهذه الطريقة الإعلامية تفقد أي مشروعية أخلاقية حقيقية. فالمشروعية لا تُستمد من نجاح الخطاب، بل من صدق العلاقة بين القرار ومصلحة المجتمع. حين يُستخدم الإعلام لتزييف هذه العلاقة، يصبح شريكًا في نقل القرار السيادي من الداخل إلى الخارج، حتى وإن بدا المشهد هادئًا ومستقرًا.
الخلاصة أن التحالفات الحديثة لا تُصنع بالقوة وحدها، بل بالسردية التي تسبقها وتحميها. ومن لا يملك إعلامًا نقديًا حرًا، لا يملك فعليًا قرار التحالف، حتى لو احتفظ بمؤسساته الشكلية. فالحرب تبدأ في الوعي، والسلام يُفرَض في الوعي، والتحالف يُثبَّت في الوعي قبل أن يُوقَّع على الورق.
من يقرّر الحرب ومن يوقّع السلام؟ التحالف بوصفه قرارًا سياديًا وأخلاقيًا
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
9 ديسمبر 2025
ليس قرار الحرب أخطر ما تتخذه الدول، بل قرار التحالف الذي يسبقها أو يمنعها أو يفرض شكلها وحدودها. فالحرب، مهما بلغت كلفتها، لحظة زمنية محددة، أما التحالف فهو مسار طويل الأمد يعيد تشكيل موقع الدولة في النظام الدولي، ويحدّد من تُقاتل، ومن تُهادن، ومن تُقايض، وبأي ثمن. من هنا، يصبح سؤال: من يقرّر التحالف؟ سؤالًا أخلاقيًا وقانونيًا بقدر ما هو سياسي واستراتيجي.
عبر التاريخ، لم تكن الحروب تُخاض دائمًا بدافع الدفاع المباشر، بل كثيرًا ما كانت نتيجة التزامات تحالفية سبقت لحظة الصدام بسنوات. أوروبا ما قبل الحرب العالمية الأولى مثال كلاسيكي على ذلك، إذ لم يكن اغتيال ولي عهد النمسا الشرارة الحقيقية بقدر ما كان اختبارًا لمنظومة تحالفات صلبة لم تترك هامشًا للمراجعة أو التراجع. حينها، لم يعد القرار بيد الشعوب ولا حتى بيد بعض الحكومات، بل بيد شبكة التزامات تلقائية جعلت الحرب شبه حتمية.
هذا المنطق نفسه تكرّر بأشكال مختلفة في القرن العشرين. التحالفات الكبرى لم تكن فقط أدوات ردع، بل آليات نقل قرار الحرب من الداخل إلى منظومات أوسع، حيث تُحدَّد الأولويات على مستوى الكتلة لا الدولة. في الحرب الباردة، لم تكن كثير من الحروب الإقليمية سوى انعكاس لصراع تحالفي أكبر، خاضته دول الأطراف نيابةً عن القوى العظمى، ودفع ثمنه مجتمعات لم تكن شريكة في القرار.
من الناحية القانونية، يُفترض أن يكون قرار الحرب والسلم من صميم السيادة الوطنية، وفق ميثاق الأمم المتحدة الذي قيّد استخدام القوة، وربطه بالدفاع عن النفس أو بتفويض جماعي من مجلس الأمن. غير أن هذا الإطار القانوني، رغم أهميته، لم يمنع التحالفات من الالتفاف عليه، سواء عبر تفسيرات موسّعة لمفهوم الدفاع، أو عبر شرعنة التدخل تحت عناوين إنسانية أو أمنية فضفاضة.
التحالف هنا لا يُستخدم فقط لتبرير الحرب، بل لإعادة تعريفها قانونيًا وأخلاقيًا. ما يُعدّ عدوانًا في سياق دولة منفردة، قد يُقدَّم بوصفه “التزامًا تحالفيًا” في سياق جماعي. وهنا تكمن الخطورة: حين يُفرَّغ القانون من روحه، ويُعاد توظيفه لخدمة ميزان القوة لا حماية الإنسان.
في الأنظمة الديمقراطية، يُفترض نظريًا أن يخضع قرار التحالف، وما يترتب عليه من حرب أو سلام، لرقابة المؤسسات المنتخبة. البرلمانات تناقش، والرأي العام يُحاسب، والإعلام يلعب دور الوسيط النقدي. ورغم كل الثغرات، يبقى هناك وعي بأن التحالف ليس ملكًا للحكومة وحدها، بل التزامًا جماعيًا تتحمّل الأمة تبعاته.
أما في الأنظمة السلطوية، فيُختزل القرار في يد السلطة التنفيذية أو الدائرة الأمنية الضيقة. يُوقّع التحالف باسم الدولة، لكن دون تفويض حقيقي، ودون نقاش عام حول كلفته البشرية والاقتصادية. وحين تتحوّل الالتزامات التحالفية إلى حروب أو صدامات، يُطلب من المجتمع أن يدفع الثمن، بينما يُحاط القرار بهالة “الضرورة الوطنية” التي لا تقبل السؤال.
في الدول المأزومة أو الخارجة من نزاع أو احتلال، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا. فقرار التحالف لا يكون في كثير من الأحيان قرارًا حرًا أصلًا، بل جزءًا من صفقة إعادة تشكيل الدولة نفسها. هنا تُربط المساعدات، وإعادة الإعمار، ورفع العقوبات، بالتزامات أمنية وسياسية طويلة الأمد، تجعل السلام مشروطًا، والحرب محتملة في أي لحظة تغيّر في المزاج الدولي.
التجارب المعاصرة في منطقتنا تكشف بوضوح هذا الخلل. دول وجدت نفسها طرفًا في صراعات إقليمية أو دولية، لا لأنها قررت الحرب، بل لأنها وقّعت تحالفًا لم تملك لاحقًا القدرة على الانسحاب منه. الحرب تُدار من الخارج، والسلام يُفاوض عليه من الخارج، بينما الداخل يُترك ليتحمّل نتائج القرارات دون أن يكون شريكًا فيها.
وهنا يبرز البعد الأخلاقي للتحالف. فالتحالف ليس مجرد حساب مصالح، بل قرار يطال حياة البشر، وكرامة المجتمعات، ومستقبل الأجيال. حين يُتخذ هذا القرار دون مشاركة شعبية، أو دون شفافية، يتحوّل من أداة تنظيم إلى مصادرة للإرادة الجماعية. وحين يُستخدم التحالف لتبرير القمع الداخلي أو تصدير الأزمات، يفقد أي شرعية أخلاقية، مهما كان غلافه القانوني.
التاريخ يعلّمنا أن التحالفات التي لا تُراجع، ولا تُخضع للمساءلة، تتحوّل إلى قيود. وأن الدول التي تنقل قرار الحرب والسلم إلى الخارج، تفقد تدريجيًا جوهر سيادتها، حتى وإن احتفظت بمظاهرها الشكلية. فالسيادة ليست علمًا ونشيدًا وحدودًا فقط، بل قدرة فعلية على قول “نعم” و“لا” في اللحظة المصيرية.
الخلاصة أن السؤال الحقيقي ليس: من يملك القوة؟ بل: من يملك القرار؟ ومن يتحمّل نتائجه؟ التحالف الذي يُبنى على إرادة وطنية، ويُدار بشفافية، ويُراجع دوريًا، قد يكون أداة حماية. أما التحالف الذي يُوقّع في الظل، ويُدار فوق رؤوس الشعوب، فهو نقلٌ مؤجَّل لقرار الحرب والسلام إلى الخارج، مهما طال أمد الهدوء الظاهري.
الأحلاف والمعاهدات في تاريخ الأمم: من توازن القوة إلى هندسة التبعية
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
8 ديسمبر 2025
لم تعرف البشرية نظامًا سياسيًا مستقرًا من دون أحلاف، كما لم تشهد أمة نهضة حقيقية من دون معاهدات صاغتها بإرادتها، وراجعتها بوعي، وربطتها بمشروعها التاريخي. فالأحلاف والمعاهدات ليست طارئًا على مسار الأمم، بل هي إحدى الأدوات المركزية التي شكّلت صعود الإمبراطوريات وانهيارها، ورسّخت خرائط النفوذ، وأعادت تعريف مفهوم السيادة من عصر إلى آخر.
منذ التجمعات القبلية الأولى، كان الحلف تعبيرًا عن حاجة جماعية للبقاء، وتنظيم القوة، وردّ العدوان. لم يكن الحلف آنذاك وثيقة مكتوبة، بل عقدًا أخلاقيًا قائمًا على الشرف والالتزام المتبادل. ومع تطور الكيانات السياسية، تحوّل الحلف تدريجيًا إلى أداة إدارة للمصالح، ثم إلى وسيلة توسّع، ثم إلى إطار قانوني ملزم مع نشوء الدولة الحديثة.
في أوروبا ما بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، دخلت القارة قرونًا من التفكك الإقطاعي، حيث تداخلت التحالفات العائلية والدينية والتجارية في شبكة معقّدة من الولاءات المتبدّلة. كانت الحروب الصليبية إحدى أوضح صور التحالفات العابرة للحدود، حيث توحّد ملوك وإقطاعيو أوروبا تحت راية دينية، لا بوصفها إيمانًا صرفًا، بل بوصفها أداة تعبئة سياسية وعسكرية. ومع ذلك، كشفت تلك التجربة المبكرة عن هشاشة التحالفات القائمة على الشعار الواحد، إذ سرعان ما تفكّكت تحت وطأة الصراعات الداخلية والمصالح المتناقضة، بل وانقلب بعضها على بعض، كما حدث في الحملة الصليبية الرابعة حين وُجّه السلاح إلى القسطنطينية المسيحية ذاتها.
شكّلت معاهدة وستفاليا عام 1648 نقطة التحوّل الكبرى في تاريخ الأحلاف والمعاهدات. فبإنهائها حرب الثلاثين عامًا، لم تضع حدًا لصراع دموي طويل فحسب، بل أسست لمفهوم الدولة–الأمة ذات السيادة، ورسّخت مبدأ عدم التدخل، وفتحت الباب أمام تحالفات عقلانية تقوم على المصلحة لا العقيدة. منذ تلك اللحظة، دخل العالم مرحلة جديدة أصبح فيها التحالف أداة قانونية لإدارة التوازن، لا مجرد اصطفاف عاطفي أو ديني.
غير أن هذا التقنين لم يُلغِ جوهر الصراع، بل أعاد تنظيمه. فالأحلاف في القرنين السابع عشر والثامن عشر، خصوصًا في أوروبا، اتخذت طابع “توازن القوى”، حيث لم يكن الهدف تحقيق نصر نهائي، بل منع هيمنة طرف واحد. التحالفات ضد فرنسا النابليونية مثال واضح على ذلك، إذ تغيّر الحلفاء أكثر من مرة، لكن الهدف ظل واحدًا: كبح التمدد الإمبراطوري، لا الدفاع عن مبدأ أخلاقي ثابت.
مع دخول القرن العشرين، بلغت الأحلاف ذروة تأثيرها. الحرب العالمية الأولى كانت انفجارًا مؤجّلًا لمنظومة تحالفات صلبة لم تُصمَّم لامتصاص الأزمات، بل لتكريس الردع عبر التهديد المتبادل. وحين وقع الاختبار، انهارت المنظومة بأكملها، وسقط معها عالم الإمبراطوريات القديمة. أما الحرب العالمية الثانية، فقد أعادت إنتاج التحالف بوصفه مشروعًا شاملًا، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وأسست لنظام دولي جديد تقوده الولايات المتحدة، وتُدار فيه الشرعية عبر مؤسسات دولية صُمّمت في ظل ميزان قوة غير متكافئ.
في مرحلة الحرب الباردة، لم تعد الأحلاف مجرد ترتيبات أمنية، بل تحوّلت إلى هويات كاملة. حلف شمال الأطلسي لم يكن تحالف دفاع فقط، بل إطارًا سياسيًا وأيديولوجيًا يحدد من هو “داخل” العالم الغربي ومن هو “خارجه”. وفي المقابل، جاء حلف وارسو بوصفه أداة ضبط للكتلة الشرقية، أكثر منه تحالفًا طوعيًا متكافئًا. وبين الكتلتين، حاولت حركة عدم الانحياز أن تخلق مساحة استقلال للدول الخارجة من الاستعمار، لكنها بقيت محدودة الفاعلية أمام صلابة الاستقطاب العالمي.
في العالم العربي، جاءت تجربة الأحلاف والمعاهدات محمّلة بتناقضات عميقة. فجامعة الدول العربية، التي وُلدت مبكرًا نسبيًا، عجزت عن التحول إلى إطار فاعل للأمن الجماعي، وبقيت أسيرة حسابات الأنظمة لا مصالح الشعوب. ومعاهدة الدفاع العربي المشترك بقيت نصًا بلا تفعيل، بينما تحوّلت التحالفات الفعلية إلى ترتيبات ثنائية أو إقليمية مرتبطة بقوى خارجية.
في المقابل، تكشف تجربة الاتحاد الأوروبي عن مسار مختلف. فقد بدأ هذا الكيان كمشروع اقتصادي تقني محدود، ثم تطوّر تدريجيًا إلى اتحاد سياسي ونقدي، مستندًا إلى تراكم الثقة، والمراجعة المستمرة، وربط التحالف بمصالح المواطن لا النخبة فقط. نجاح هذه التجربة لم يكن نتيجة المعاهدة وحدها، بل نتيجة سياق تاريخي سمح بإعادة تعريف السيادة بوصفها تقاسمًا واعيًا لا تنازلًا قسريًا.
غير أن الوجه الآخر للأحلاف والمعاهدات يتمثل في ما يمكن تسميته “معاهدات الإذعان”. وهي تلك الاتفاقيات التي تُوقَّع تحت الاحتلال أو التهديد العسكري أو الابتزاز الاقتصادي، فتتحوّل من أداة تنظيم إلى قيد سيادي طويل الأمد. التاريخ الحديث في منطقتنا مليء بمثل هذه النماذج، حيث استُخدمت المعاهدات لتكريس التبعية، لا لبناء الاستقرار، ولإدارة الضعف، لا لمعالجته.
في عالم اليوم، تتغير طبيعة الأحلاف مرة أخرى. لم تعد الأيديولوجيا الصلبة هي المحرّك الأساسي، بل المصالح المرنة، والتكنولوجيا، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد. تظهر تحالفات جديدة حول الذكاء الاصطناعي، وأمن البيانات، والتكنولوجيا المتقدمة، في مقابل تراجع التحالفات التقليدية أو إعادة تعريفها. وفي هذا السياق، تزداد خطورة المعاهدات الثنائية على الدول الضعيفة، لأنها تُوقَّع غالبًا بعيدًا عن الرقابة العامة، وتُقدَّم بوصفها حلولًا سريعة لأزمات بنيوية.
المأزق العربي اليوم لا يكمن فقط في ضعف الأحلاف، بل في غياب المشروع الذي يُفترض أن تخدمه. فلا تحالف بلا رؤية، ولا معاهدة بلا هدف تاريخي. والتحالف مع الأنظمة وحدها، دون إشراك الشعوب، أثبت فشله مرارًا. أما التحالفات الظرفية، التي تُبنى كردّ فعل على أزمة، فهي لا تصمد أمام التحولات الكبرى، بل تزيد من هشاشة الداخل.
الخلاصة التي يفرضها التاريخ أن الأحلاف والمعاهدات ليست مجرد أوراق قانونية، بل مرايا تعكس طبيعة الدولة التي توقّعها. دولة واثقة تبني تحالفاتها لتعزيز استقلالها، ودولة مأزومة تستخدم المعاهدات لتأجيل انفجارها الداخلي. وبين الحالتين، يتحدد مصير الأمم، لا بنصوص الاتفاق، بل بقدرتها على امتلاك قرارها، ومراجعة خياراتها، وربط تحالفاتها بكرامة الإنسان قبل منطق القوة.
التحالفات السياسية بين منطق الحماية ووظيفة الإخضاع: كيف يُؤمَّن الخارج ويُستنزف الداخل؟
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
7 ديسمبر 2025
لم تكن التحالفات السياسية والعسكرية، في أي مرحلة من مراحل التاريخ، مجرّد ترتيبات تقنية بين دول تبحث عن الأمن أو توازن القوى، بل كانت دائمًا تعبيرًا مكثفًا عن طبيعة السلطة، وموقع الدولة من ذاتها، وحدود السيادة التي تقبل التنازل عنها أو الدفاع عنها. فخلف كل تحالف سؤال غير معلن: من يملك القرار؟ ولصالح من يُمارس؟ ومن يُدفع إلى واجهة الخسارة حين تتبدّل المعادلات؟
منذ نشأة الدولة الحديثة، ظلّ التحالف أداة مزدوجة الوجه. قد يكون درعًا يحمي الداخل، وقد يتحوّل إلى قيد يعيد تشكيل الداخل بما يخدم الخارج. الفارق بين الحالتين لا يكمن في نصوص المعاهدات ولا في اللغة الدبلوماسية المصقولة، بل في ميزان القوة، وفي طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفي ما إذا كان القرار التحالفي نابعًا من إرادة وطنية مؤسسية، أم مفروضًا من أعلى، أو مستوردًا من خارج الحدود.
في كثير من التجارب المعاصرة، لا سيما في دول الأطراف والعالم العربي، لم تُبنَ التحالفات بوصفها خيارًا سياديًا لحماية الدولة أو تطوير بنيتها الداخلية، بل بوصفها آلية لضمان بقاء النظام السياسي ذاته. هنا يتحوّل التحالف من شراكة متوازنة إلى وظيفة سياسية محددة: تأمين رضى الخارج، مقابل ضبط الداخل، وتجميد المجال العام، وإعادة تعريف مفهوم الاستقرار بوصفه غياب الاعتراض لا حضور العدالة.
هذا النمط من التحالفات لا يحمي الدولة، بل يُفرغها من مضمونها. فالسيادة لا تُقاس بعدد القواعد العسكرية الصديقة، ولا بحجم الدعم السياسي الخارجي، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها بحرية، وبمدى مشاركة المجتمع في تحمّل تبعات ذلك القرار. وعندما تُبنى التحالفات فوق رؤوس الشعوب، تتحوّل الدولة إلى وسيط تنفيذي لإرادات خارجية، حتى وإن احتفظت بشكلها الرسمي وحدودها المرسومة على الخرائط.
تجربة العراق بعد عام 2003 تقدّم نموذجًا صارخًا لهذا المسار. فالدولة التي أُعيد تشكيلها تحت الاحتلال، وجدت نفسها منخرطة في شبكة تحالفات متداخلة مع الولايات المتحدة وإيران في آن واحد. هذه التحالفات لم تكن تعبيرًا عن توازن وطني مدروس، بل نتيجة فراغ سيادي عميق. الخارج أمّن نفوذه العسكري والسياسي، بينما الداخل تفكّك طائفيًا، وفقد قراره الاقتصادي والأمني، وتحوّل إلى ساحة صراع بالوكالة. لم يكن التحالف هنا وسيلة حماية، بل إطار إدارة أزمة دائمة.
وفي لبنان، تشكّلت معادلة مختلفة في الشكل، متشابهة في الجوهر. تحالفات إقليمية ودولية حافظت على “استقرار” يمنع الانفجار الشامل، لكنها في المقابل سمحت بانهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق. الدولة بقيت قائمة اسميًا، لكن القرار الفعلي خرج من مؤسساتها، وتحول الداخل إلى رهينة توازنات إقليمية لا يملك اللبنانيون حق إعادة صياغتها أو مراجعتها.
أما في سوريا قبل سقوط النظام، فقد بدا التحالف الإيراني–الروسي تحالفًا صلبًا من حيث الدعم العسكري والسياسي، لكنه كان في جوهره تحالفًا لحماية السلطة لا الدولة. ومع مرور الزمن، تآكل الداخل السوري اقتصاديًا واجتماعيًا وبشريًا، بينما بقي التحالف قائمًا بوصفه مظلة خارجية، عاجزة عن منع الانهيار البنيوي من الداخل. هنا تتجلى المفارقة: تحالف قوي خارجيًا، ودولة منهكة داخليًا.
السؤال الجوهري الذي تفرضه هذه النماذج ليس أخلاقيًا فحسب، بل سياسي وقانوني بامتياز: من يملك قرار التحالف؟ في الأنظمة الديمقراطية، يُفترض أن يكون هذا القرار نتاجًا لمؤسسات الدولة، خاضعًا للنقاش البرلماني والمساءلة العامة، لأن التحالف يرسم مستقبل الأمن والسيادة والاقتصاد. أما في الأنظمة السلطوية، فيُختزل القرار في دائرة ضيقة، ويُوقَّع باسم الشعب دون علمه، ليكتشف لاحقًا أنه وحده من سيدفع الثمن.
وفي الدول المأزومة أو التابعة، يصبح المشهد أكثر خطورة، إذ لا يُصنع قرار التحالف في الداخل أصلًا، بل يُدار من الخارج، وتُفرض ترتيباته ضمن صفقات أمنية أو اقتصادية أو سياسية. في هذه الحالة، لا يعود الداخل شريكًا، بل يتحوّل إلى ساحة تنفيذ، بينما تُمنح النخب الحاكمة وظيفة الوسيط المحلي.
وحين ينهار التحالف، أو تتغيّر أولويات الحليف الأقوى، تتكشف الحقيقة القاسية: الذي لا يملك قرار التحالف، هو من يدفع ثمنه حين يسقط. الحاكم يعيد التموضع أو يغادر، أما المواطن فيواجه العقوبات، والفوضى، والانهيار الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي، والوصمة التاريخية. هكذا تتحوّل التحالفات الهشّة إلى آليات إسقاط جماعي، لا مجرد أخطاء سياسية.
التحالفات، في جوهرها، ليست شرًا مطلقًا ولا خيرًا مطلقًا. قد تكون أداة حماية إذا انطلقت من الداخل، وخضعت للمراجعة، وحافظت على القرار الوطني داخل حدوده السيادية. لكنها تتحوّل إلى قيد وظيفي حين تُبنى من الأعلى، أو تُفرض تحت التهديد، أو تُستخدم لتأجيل الانفجار الداخلي لا معالجته.
القاعدة الجوهرية التي يكشفها التاريخ أن التحالف لا يُقاس بوثيقته، بل بميزان القوة بين أطرافه، وبمدى انحيازه لكرامة الإنسان. فإذا أبقى القرار داخل الوطن، كان حماية. وإذا نقله إلى الخارج، كان إخضاعًا، مهما تزيّن بلغة الدبلوماسية، أو رُوّج له بوصفه ضرورة مرحلية.
تركيا.. الجغرافيا التي تصنع السياسة
د. أيمن خالد – رئيس التحرير
الثلاثاء 23 أيلول / سبتمبر 2025
تركيا ليست دولةً عابرة في جغرافيا العالم، بل هي جغرافيا تحوّلت إلى سياسة، وحدود صارت ساحة اشتباك بين القوى الكبرى، ومضائق تحكمت في حركة التجارة والحرب معًا. فمنذ نشأة الدولة العثمانية قبل قرون، كان الوعي الجمعي للنخب التركية يتشكل على قاعدة أن الجغرافيا قدر محتوم، وأن البقاء في قلب العالم يستلزم ممارسة سياسة مختلفة عن كل الأطراف المجاورة. هذا الموقع، الممتد بين آسيا وأوروبا، والمتداخل مع البحر الأسود والبحر المتوسط، والملتقي مع حدود الشرق الأوسط، جعل تركيا دائمًا في حالة بحث عن هوية لا تهدأ: أهي قوة إسلامية–شرقية أم دولة أوروبية–غربية أم توازن هجين بينهما؟
بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وتأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك، بدا أن السياسة التركية تميل إلى الانغلاق على الداخل، وإلى تركيز الهوية الوطنية ضمن حدود مرسومة باتفاقيات دولية أهمها معاهدة لوزان. لكن هذه السياسة لم تنفصل عن الجغرافيا، إذ فرضت تركيا نفسها عبر المضائق، فكانت اتفاقية مونترو 1936 انعكاسًا لقدرتها على تحويل الموقع الجغرافي إلى أداة سيادية للتحكم في المرور البحري بين البحر الأسود والمتوسط، وبالتالي التحكم في روسيا والغرب في آن واحد. هنا تجلى مبكرًا أن تركيا مهما حاولت الانعزال، فإنها ستظل جزءًا من المعادلات الكبرى لأنها تملك أوراق جغرافية لا يمكن الاستغناء عنها.
مع الحرب الباردة، تحولت تركيا إلى ركيزة في استراتيجية الغرب. عضويتها في حلف شمال الأطلسي جعلت منها خط دفاع أمامي ضد الاتحاد السوفييتي، وقاعدتها في إنجرليك صارت مركزًا للقوة الجوية الأميركية في الشرق الأوسط. الجغرافيا مرة أخرى هي التي أنتجت السياسة، فالدولة التي تحاذي حدود الاتحاد السوفييتي من جهة، وتلاصق إيران والعراق وسوريا من جهة أخرى، لا يمكنها أن تنجو من لعبة المحاور. ولهذا كانت تركيا دائمًا شريكًا ناقص الثقة في الغرب: لا أوروبا قبلتها عضوًا كاملًا في الاتحاد الأوروبي، ولا هي تخلت عن موقعها كدولة شرقية تنتمي إلى فضاء مختلف في الهوية والدين والتاريخ.
في التسعينيات وبداية الألفية، ترافقت مرحلة الانفتاح الديمقراطي النسبي وصعود حزب العدالة والتنمية مع إدراك جديد: أن تركيا تستطيع أن تستثمر جغرافيتها في بناء نفوذ إقليمي متعدّد. الشرق الأوسط كان يفتح أبوابه لتركيا الجديدة، والبلقان كان يستقبلها كدولة مسلمة قوية تعيد وصل التاريخ بالحاضر، والقوقاز وآسيا الوسطى كانا يبحثان عن صلة القرابة العرقية واللغوية. هذا التوسع لم يكن رفاهية، بل كان نتيجة حتمية لموقع يجعل تركيا مضطرة لإدارة حدودها الطويلة مع الأزمات: حدود مشتعلة مع سوريا والعراق، وحدود حساسة مع إيران، وبحر متوتر مع اليونان وقبرص، وحدود بحرية استراتيجية مع روسيا.
لكن الطموح التركي اصطدم مرة أخرى بواقع الجغرافيا. عندما اندلعت الأزمة السورية عام 2011، لم يكن بوسع أنقرة أن تقف موقف المتفرج، فحدودها الممتدة لأكثر من 900 كيلومتر مع سوريا تحولت إلى عبء أمني واقتصادي وديموغرافي. ملايين اللاجئين تدفقوا إلى أراضيها، وتنظيمات مسلحة اتخذت من الشريط الحدودي منصة، فيما وجدت تركيا نفسها في مواجهة مباشرة مع روسيا وإيران والنظام السوري. الجغرافيا السورية فرضت على تركيا أن تكون لاعبًا رئيسيًا في الحرب وفي التسويات، وأن تربط بقاءها الداخلي بالمعادلات الإقليمية. هنا أيضًا تحولت السياسة إلى انعكاس مباشر للجغرافيا: لا يمكن لتركيا أن تظل مستقرة إذا لم تكن جزءًا من حل سوري، والعكس صحيح.
في السنوات الأخيرة، برز عامل جديد زاد من ثقل الجغرافيا التركية: الطاقة. اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، وخطوط الأنابيب العابرة من أذربيجان وروسيا وإيران نحو أوروبا، جعلت من تركيا عقدة جيو–اقتصادية لا يمكن تجاوزها. فالأوروبيون يعتمدون على الممر التركي لتقليل تبعيتهم لروسيا، والروس يسعون لاستخدام الأراضي التركية ممرًا آمنًا لمشروعاتهم، والأميركيون يراقبون عن قرب خشية أن تتحول تركيا إلى لاعب مستقل يخلّ بتوازنات الطاقة العالمية. إن السيطرة على عقدة الأنابيب والبحار جعلت من الجغرافيا التركية مصدرًا جديدًا للنفوذ والضغط السياسي.
التحولات الإقليمية بعد عام 2024 أظهرت أن تركيا لا تزال ممسكة بأوراق صلبة. سقوط النظام السوري وصعود حكومة جديدة بدعم تركي جعل أنقرة في موقع الوصي أو الراعي الإقليمي، فيما فقدت إيران نفوذها، وتراجعت روسيا إلى حدود رمزية. هذا التحول الجيوسياسي أعاد لتركيا مكانة كانت قد فقدتها خلال سنوات الحرب السورية، وأعطاها فرصة لطرح نفسها كدولة ضامنة للانتقال، وكقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. الجغرافيا هنا ليست مجرد حدود، بل شبكة مصالح تمتد من الشام إلى العراق، ومن البحر الأسود إلى المتوسط.
لكن الجغرافيا ليست دائمًا نعمة. فتركيا تواجه تحديات داخلية مرتبطة بموقعها: الانقسام الكردي المتداخل بين تركيا وسوريا والعراق وإيران يظل تهديدًا مستمرًا لوحدة الدولة التركية. العلاقة المتوترة مع اليونان، والصراع على الجزر والمياه الإقليمية، يهدد بانفجار جديد في بحر إيجة. التوازن الصعب بين روسيا والولايات المتحدة يضع تركيا في موقع لا تُحسد عليه، فهي من جهة تحتاج إلى روسيا في الطاقة والسياحة والدفاع، ومن جهة أخرى لا تستطيع أن تغضب واشنطن التي تملك مفاتيح الدعم العسكري والاقتصادي. كل ذلك يجعل السياسة التركية مشدودة بين حبال متناقضة، لكن الجامع بينها جميعًا أنها تنبع من الجغرافيا.
لقد أدركت النخبة التركية عبر التاريخ أن الدولة التي تقع في قلب العالم لا يمكن أن تكون دولة هامشية. فإذا انكفأت على الداخل، فإن الخارج سيطرق بابها عبر الحدود والمضائق. وإذا تمددت أكثر من اللازم، فإن الجغرافيا ستفرض عليها كوابحها. هذه الجدلية بين التوسع والانكماش جعلت السياسة التركية دائمًا تبدو وكأنها بحث لا ينتهي عن هوية توازن بين الشرق والغرب. حتى في عهد أردوغان، ومع كل ما أُطلق عليه من أوصاف مثل "العثمانية الجديدة"، يبقى جوهر السياسة التركية انعكاسًا مباشرًا لموقعها الذي يجبرها على أن تكون فاعلًا لا مفعولًا به.
اليوم، ومع إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، تبدو تركيا في موقع يعكس هذه الحقيقة بوضوح. فهي الدولة التي ترعى انتقال سوريا، وتدير خلافاتها مع أوروبا، وتحاور روسيا وأميركا في وقت واحد. وهي الدولة التي تستخدم موقعها للتحكم في الطاقة، وتوظف مضائقها كورقة ضغط، وتستخدم حدودها الطويلة كذريعة لتوسيع نفوذها العسكري في الشمال السوري والعراقي. كل هذا لا يعني أن تركيا قادرة على فرض إرادتها بالكامل، لكن يعني أنها لن تغيب عن أي معادلة، لأنها ببساطة الدولة التي تملك مفاتيح الجغرافيا.
الخلاصة أن تركيا ليست مجرد دولة متوسطة الحجم في الإقليم، بل هي نموذج صارخ لكيف تصنع الجغرافيا السياسة. فمنذ العثمانيين إلى الجمهورية، ومن الحرب الباردة إلى صعود حزب العدالة والتنمية، ومن الحرب السورية إلى صراع الطاقة في شرق المتوسط، ظل الموقع التركي هو العامل الحاسم في توجيه البوصلة. السياسة التركية قد تتغير بتغير الأحزاب والقيادات، لكنها تبقى محكومة بحدودها ومضائقها وموقعها. هذه الجغرافيا التي لا تهدأ تفرض على أنقرة أن تكون لاعبًا دائمًا، حتى لو كان الثمن باهظًا، لأن الغياب عن مسرح السياسة يعني ببساطة أن الآخرين سيتحكمون في الجغرافيا بدلاً عنها، وهذا ما لم تقبله تركيا في تاريخها ولن تقبله في مستقبلها.
زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الأمم المتحدة
الدكتور أيمن خالد – رئيس التحرير
الثلاثاء 23 أيلول / سبتمبر 2025
زيارة الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع إلى الأمم المتحدة تمثل لحظة فاصلة في تاريخ سوريا الحديث، بل يمكن القول إنها لحظة إعادة تقديم الدولة السورية إلى العالم بعد أكثر من عقد من الحرب والدمار والانقسامات الداخلية، وسنوات من التجاذب الدولي الذي حول الجغرافيا السورية إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى والإقليمية. هذه الزيارة ليست بروتوكولية بقدر ما هي اختبار سياسي شامل، فهي أول ظهور رسمي للقيادة السورية الجديدة على المسرح الدولي، وأول خطاب من منصة الأمم المتحدة يعكس ملامح المرحلة المقبلة، حيث يسعى الشرع إلى ترسيخ شرعية دولية لسوريا ما بعد الأسد، وإقناع المجتمع الدولي بأن بلاده لم تعد حقل نفوذ لإيران ولا موقع نفوذ لروسيا، وإنما دولة ذات سيادة تنفتح على العالم وفق رؤية جديدة تقوم على إعادة الإعمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 ودخول سوريا مرحلة الانتقال بقيادة أحمد الشرع بدعم تركي مباشر، بدت المعادلة واضحة: الولايات المتحدة ترفع العقوبات عن سوريا، تركيا تضبط حدود اللعبة وتدير مسار الانتقال، وإيران تنسحب بعد خسائر فادحة لحلفائها وانتهاء فعلي لنفوذها العسكري، فيما تراجع الوجود الروسي إلى حدود رمزية مرتبطة بقاعدة حميميم. وسط هذه التغيرات، كان لا بد لسوريا الجديدة أن تعلن عن نفسها للعالم، وأن تدخل إلى قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة بخطاب يعبر عن ملامح عهد جديد. غير أن هذه اللحظة لا تنفصل عن حسابات القوى الكبرى، ولا يمكن فصلها عن ملف غزة المشتعل، وعن التحولات العاصفة التي يعيشها النظام الدولي بعد قمة ألاسكا بين ترامب وبوتين في أغسطس 2025، حين أُعلن عن تفاهم بلا اتفاق ينهي فعليًا قدرة روسيا على فرض شروطها في الشرق الأوسط ويكرس الولايات المتحدة كلاعب أوحد في إدارة المشهد.
أحمد الشرع يصل إلى نيويورك وهو محمّل بتركة ثقيلة من التاريخ والواقع. الداخل السوري ما يزال هشًا، فإعادة بناء المؤسسات تحتاج إلى موارد هائلة، واستعادة الثقة الشعبية تتطلب إصلاحًا سياسيًا حقيقيًا يتجاوز الخطابات. وفي المقابل، الخارج يضع شروطه الواضحة: واشنطن تريد ضمان الابتعاد عن طهران وموسكو، وأن تكون دمشق جزءًا من منظومة إقليمية متوافقة مع الترتيبات الأميركية في المنطقة. تركيا تريد الاعتراف بدورها كراعٍ شرعي للانتقال وضامن لمصالحها الأمنية والاقتصادية. الاتحاد الأوروبي يراقب، ويبحث عن فرصة للانخراط في إعادة الإعمار ضمن إطار يتماشى مع السياسة الأميركية. إسرائيل، من جهتها، تترقب بقلق: هل سيقترب الشرع من ملف الجولان وحقوق سوريا التاريخية، أم يترك هذا الملف جانبًا في سبيل تثبيت شرعية حكمه الجديد؟ هنا يتقاطع الموقف الأميركي والإسرائيلي في ضرورة مراقبة الخطاب السوري بدقة، خشية أن يستعيد لغة قومية تضع دمشق مجددًا في مربع التوتر.
ما يميز هذه الزيارة أنها تتزامن مع لقاء بارز جمع الشرع بالجنرال الأميركي ديفيد بترايوس، المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية وقائد القوات الأميركية في العراق. هذه اللقاءات ليست صدفة بروتوكولية، فهي رسائل مقصودة تعيد إلى الأذهان تجربة العراق بعد عام 2003. الولايات المتحدة تريد أن توضح للشرع أن الملف السوري سيُدار بعناية كما أُدير الملف العراقي، وأن الأخطاء التي وقعت في بغداد لن تتكرر إذا التزم السوريون بالمسار الذي ترسمه واشنطن. لكن هذه الرسالة ذات وجهين: الأول تحذير مبطن من الانزلاق نحو مغامرات خارجية أو داخلية قد تعطل عملية الانتقال، والثاني فتح باب الدعم الأمني والسياسي والاقتصادي مقابل تعاون واضح وصريح. بالنسبة للشرع، فإن لقاء بترايوس يحمل رمزية مضاعفة: هو يلتقي الرجل الذي أشرف على إدارة العراق في أصعب مراحله، وهو مطالب بأن يثبت أن سوريا لن تتحول إلى نسخة أخرى من عراق ممزق.
خطاب الشرع في الأمم المتحدة سيكون بمثابة ميزان حرارة للعالم بأسره. إذا اختار لغة الانفتاح والديمقراطية والإصلاح، وأكد على رغبة سوريا في استقطاب الاستثمارات وفتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي، فإن هذا الخطاب سيُقابل بترحيب واسع من واشنطن وبروكسل، وسيضع الأساس لمؤتمر دولي لدعم سوريا اقتصاديًا. أما إذا حمل الخطاب ملامح قومية متشددة أو رسائل مبطنة عن فلسطين والجولان والهوية العربية، فإن الترحيب قد يتحول إلى حذر، وقد تبدأ دوائر الضغط الأميركية والإسرائيلية في التشكيك في جدية المشروع السوري الجديد. هنا تكمن المفارقة: الشرع لا يستطيع أن يتجاهل قضية فلسطين، لأن الوجدان السوري والعربي يفرض ذلك، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتبنى خطابًا صداميًا، لأن ظرف بلاده لا يحتمل.
البعد الإقليمي للزيارة لا يقل أهمية عن بعدها الدولي. فالتجربة السورية الجديدة، وهي تنطلق من منصة الأمم المتحدة، ترسل إشارات قوية إلى المنطقة: أن زمن الهيمنة الإيرانية قد انتهى، وأن دمشق لم تعد ضمن محور المقاومة التقليدي، وأن الشام اليوم تحت رعاية سياسية وأمنية تركية، وبإشراف أميركي، وهذا بحد ذاته انقلاب في خرائط النفوذ. بالنسبة للخليج، فإن عودة سوريا إلى الشرعية الدولية تمثل فرصة لإعادة وصل ما انقطع، لكن بشرط ألا تكون دمشق جسرًا لابتزاز جديد من طهران أو موسكو. وبالنسبة لمصر والأردن، فإن المسألة تحمل حساسية خاصة: هل ستقبل القاهرة أن تكون تركيا هي الراعي الأول لدمشق؟ وهل سيقبل الأردن بدور ثانوي في الملف السوري بعدما كان حدوديًا ومؤثرًا خلال سنوات الحرب؟
من الناحية القانونية والدستورية، فإن الخطاب السوري في الأمم المتحدة هو بمثابة إقرار ضمني من المجتمع الدولي بشرعية الرئيس الجديد. إن منح الشرع منصة عالمية للاعتراف يعني أن الأمم المتحدة تعترف بانتقال السلطة في سوريا، وأن حق التمثيل الدولي لم يعد لبقايا النظام القديم. هذا يحمل تبعات هائلة على القرارات الأممية السابقة، وخاصة القرار 2254 الذي ظل طوال عقد من الزمن إطارًا للحل السياسي في سوريا. اليوم، مع استقالة المبعوث الأممي بيدرسون وزوال النظام السابق، يدخل القرار 2254 في حكم الميت سريريًا، ويصبح خطاب الشرع نقطة انطلاق لمسار سياسي جديد لم تتضح معالمه القانونية بعد.
من زاوية أخرى، فإن هذه الزيارة تكشف عمق التحولات في النظام الدولي. فقبل سنوات قليلة فقط، كانت موسكو هي صاحبة القرار في دمشق، وطهران هي القوة المهيمنة على الأرض. اليوم، تخرج روسيا من المشهد مهزومة في أوكرانيا ومقيّدة في سوريا، وتخرج إيران خاوية اليدين بعد أن خسرت حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، فيما تصعد الولايات المتحدة لتكون الطرف الوحيد الذي يعيد ترتيب الشرق الأوسط وفق مصالحه، مدعومًا بتحالفات إقليمية متجددة. هذا التحول يجعل من منصة الأمم المتحدة في سبتمبر 2025 مسرحًا لإعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى، حيث تكرّس واشنطن سيادتها على الإقليم عبر بوابة دمشق، تمامًا كما فعلت قبل عقدين عبر بوابة بغداد، لكن هذه المرة ضمن ظروف دولية أكثر سيولة وأقل مقاومة.
في الخلاصة، فإن زيارة أحمد الشرع إلى الأمم المتحدة ليست مجرد رحلة خارجية عابرة، وإنما هي إعادة إنتاج لمكانة سوريا على الخريطة الدولية، وامتحان أول لرئيس يسعى إلى تثبيت نفسه كقائد شرعي أمام العالم. إنها زيارة تحمل وعودًا بالاستقرار والانفتاح، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن تعقيدات الطريق المقبلة: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تسير بخطى ثابتة بين المطالب الأميركية والضغوط الإسرائيلية والطموحات التركية والانتظارات الشعبية؟ وهل يستطيع الشرع أن يوازن بين خطاب السيادة والكرامة الوطنية وبين لغة البراغماتية التي تفتح الأبواب أمام الدعم الدولي؟ إنها معركة الخطاب بامتياز، وخطاب الأمم المتحدة سيبقى شاهدًا على ما إذا كانت دمشق قد نجحت في الخروج من ركام الحرب إلى أفق الدولة الطبيعية، أم أنها ستظل حبيسة امتحانات لا تنتهي.
العقل التركي بين الإمبراطورية والجمهورية: بحث عن هوية لا تهدأ
د. أيمن خالد – رئيس التحرير
السبت 20 أيلول/سبتمبر 2025
مقدمة
حين تفكر في تركيا، لا تنظر إلى حدود مرسومة على الخريطة فقط؛ أنت أمام عقل سياسي وثقافي يعيش حالة شدّ دائمة بين الماضي والحاضر. عقل يرى نفسه وريث إمبراطورية حكمت نصف العالم الإسلامي، لكنه مضطر أن يتحرك اليوم كدولة قومية مقيدة بعضوية في الناتو واقتصاد هشّ يتنفس عبر الأسواق الأوروبية. هذا التناقض ليس عارضًا؛ بل هو البنية العميقة التي صاغت “العقل التركي” منذ قرون، ولا تزال تحكم خطواته حتى الآن.
1. عقل إمبراطوري لم يمت
الدولة العثمانية لم تكن مجرد سلطة؛ كانت مشروعًا ذهنيًا يعلّم الأتراك كيف يفكرون. إسطنبول هي المركز، وكل ما حولها أطراف. العرب في المشرق والمغرب، البلقان في الشمال، حتى الأناضول نفسه، كلها كانت ساحات نفوذ.
العثمانيون لم يذوبوا الشعوب، بل تركوا لكل “مِلّة” أن تعيش بطريقتها مقابل الولاء السياسي. هذه البراغماتية صنعت عقلًا مرنًا: يعرف كيف يحكم، لكنه لا يتخلى عن الهيمنة. وهنا تكمن المفارقة؛ فالتركي الذي عاش قرونًا مركزًا لا يمكن أن يقبل بسهولة أن يصبح مجرد دولة عادية.
2. صدمة الجمهورية: كبح الماضي وترويض الذاكرة
حين جاء أتاتورك عام 1923، قرر أن يقطع مع كل ما هو عثماني. غيّر الحروف، أغلق المدارس الدينية، وأدخل تركيا في المدار الأوروبي. لكن الذاكرة لا تُمحى بقرار. ظل الشعب يعيش ازدواجية: نخبة علمانية تُصر على هوية غربية، وعمق شعبي يحتفظ بحنينه إلى العثمانية والإسلام.
الجمهورية أعادت صياغة تركيا كـ”دولة قومية”، لكنها لم تستطع أن تنتزع منها إحساسها القديم بأنها صاحبة دور يتجاوز حدودها. هذه الازدواجية صارت جوهر العقل التركي: يعيش كأمة حديثة، لكنه يحلم كإمبراطورية.
3. تركيا الحديثة: التوتر كقوة دافعة
مع صعود حزب العدالة والتنمية، لم يخترع أردوغان عقلًا جديدًا، بل أيقظ ما كان نائمًا في الذاكرة. استدعى صورة العثمانية لكن بثوب براغماتي: طائرات مسيرة، قنوات فضائية، وشعار “تركيا المركز”.
الجغرافيا تضغط من جديد: مضائق تربط البحر الأسود بالمتوسط، حدود ملتهبة مع سوريا والعراق، شرق أوسط يحتاج طاقة وممرات. هكذا يجد العقل التركي نفسه محكومًا بما يسميه الجغرافيون “القدر المكاني”: أن يكون لاعبًا أكبر من حجمه الاقتصادي، فقط لأن موقعه لا يسمح له بالحياد.
وهنا نكتشف أن التوتر بين الداخل والخارج ليس ضعفًا بل مصدر حيوية: كل أزمة داخلية تدفع تركيا للبحث عن دور خارجي يعوضها، وكل تحدٍ خارجي يعيد ترتيب الداخل.
4. استشراف: أي عقل سيحكم الغد؟
السؤال ليس عن أردوغان أو من سيأتي بعده؛ بل عن البنية الذهنية ذاتها. إلى أي حد تستطيع تركيا أن تظل “دولة–أمة” وهي تفكر بعقل “إمبراطورية–مركز”؟
إذا نجحت في أن تصبح عقدة طاقة وممرًا تجاريًا، فستفرض نفسها على العرب والأوروبيين معًا، وتجبرهم على التعامل معها كقوة لا يمكن تجاوزها. أما إذا استسلمت لأزماتها الاقتصادية والانقسام الداخلي، فستبقى عالقة بين ذاكرة العظمة وواقع محدود.
لكن المؤكد أن “العقل التركي” لن يهدأ؛ لأنه عقل مشدود دومًا إلى سؤال الهوية: هل نحن مجرد دولة على هامش أوروبا؟ أم نحن مركز عالم إسلامي ينتظر قيادته؟
خاتمة
العقل التركي هو ساحة صراع بين صورتين: صورة دولة قومية حديثة تبحث عن الاستقرار، وصورة إمبراطورية قديمة ترفض أن تموت. هذا الصراع لا يُضعف تركيا كما قد نظن؛ بل هو ما يجعلها تتحرك بلا توقف، تتأرجح بين الانكفاء والاندفاع، بين الشرق والغرب، لكنها في كل الأحوال تبقى قوة يُحسب لها حساب.
ومن يفهم هذا العقل، يفهم لماذا تتحرك تركيا في المنطقة كما تتحرك: ليس فقط وفق مصالح آنية، بل وفق ذاكرة عميقة تهمس في أذنها أن دورها أكبر من حدودها.
غزة: الجغرافيا الصغيرة التي تعيد تشكيل خرائط الصراع الدولي
د. أيمن خالد – رئيس التحرير
السبت 20 أيلول/سبتمبر 2025
مقدمة: الجغرافيا التي لا يمكن محوها
غزة ليست مجرد شريط ضيق على المتوسط، بل هي مساحة جغرافية محصورة تحمل في طياتها كل ما يخيف القوى الكبرى وكل ما يلهم الشعوب المقهورة. هنا، في بقعة لا تتجاوز 365 كيلومترًا مربعًا، تتقاطع اعتبارات الأمن الإسرائيلي، الحسابات الأميركية، ومن ورائها تمتد المصالح الدولية المتشابكة: الغاز الطبيعي المسال، ممرات التجارة البحرية، البعد الديموغرافي، والرمزية السياسية التي تجعل غزة أكبر من حجمها ألف مرة.
البعد التاريخي: من بوابة مصر إلى عقدة المتوسط
تاريخ غزة يختصر علاقة الجغرافيا بالهيمنة. فمنذ أن كانت محطة على طريق القوافل التجارية في العصور الفرعونية، مرورًا بغزوات الإسكندر المقدوني، ثم الإمبراطورية الرومانية، وصولًا إلى الحروب الصليبية، ظلّت غزة عقدةً لا يمكن تجاوزها. حتى في العصور الحديثة، كانت غزة منطقة نزاع بين العثمانيين والبريطانيين في الحرب العالمية الأولى، حيث خاضت بريطانيا ثلاث معارك كبرى للسيطرة عليها قبل أن تتمكن من دخول فلسطين عام 1917. هذه السوابق التاريخية تذكّر بأن أي قوة عالمية لم تستطع أن تحسم ملف المشرق دون المرور عبر غزة.
البعد الجغرافي–الاقتصادي: عقدة الغاز والموانئ
الجغرافيا البحرية لغزة تضيف بعدًا اقتصاديًا لا يقل خطورة. قبالة سواحلها يقع حقل الغاز “غزة مارين”، الذي تقدر احتياطاته بحوالي 1.4 تريليون قدم مكعب، وهي كمية ليست ضخمة عالميًا، لكنها تكفي لتغيير اقتصاد الفلسطينيين ووضع غزة على خريطة الطاقة الإقليمية. السيطرة على هذه الموارد تعني أن إسرائيل لا ترى في غزة مجرد تهديد أمني بل منافسًا اقتصاديًا محتملًا.
أما من حيث الموقع، فإن غزة تقع على بعد 30 كيلومترًا فقط من ممر قناة السويس –شريان التجارة بين آسيا وأوروبا– مما يجعلها نقطة مراقبة حساسة لأي تحركات في شرق المتوسط. فلو تطورت بنيتها التحتية إلى ميناء متكامل، لأصبحت مركزًا بديلًا أو داعمًا للممرات البحرية الدولية.
البعد الديموغرافي: كثافة بشرية تصنع معادلة
غزة هي واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم، إذ يعيش فيها أكثر من 2.3 مليون نسمة ضمن رقعة محدودة. هذه الكثافة ليست مجرد مأساة إنسانية، بل عنصر جيوسياسي خطير. فهي تخلق كتلة ديموغرافية عصيّة على الإخضاع، وتمثل نموذجًا للتماسك الاجتماعي في مواجهة محاولات التهجير. ومن منظور استراتيجي، تشكّل هذه الكثافة سلاحًا غير تقليدي، إذ تجعل من غزة “برميل بارود بشري” يمكن أن يفجر معادلات الأمن في المنطقة متى ما تحركت الجماهير أو تعرضت لعدوان واسع.
البعد الاستراتيجي–الأمني: خاصرة إسرائيل وقوس المقاومة
غزة تقع على تماس مباشر مع إسرائيل، ما يجعلها خاصرة رخوة للدولة العبرية. ومع ذلك، فإنها في الوقت ذاته تتحول إلى منصة انطلاق لقوس مقاومة يمتد من لبنان إلى الضفة الغربية وصولًا إلى اليمن. هذا القوس يعني أن غزة ليست منعزلة عن محيطها، بل مرتبطة بشبكة إقليمية ترفع تكلفتها الاستراتيجية على إسرائيل وأميركا.
ولعل أبرز شاهد حديث هو فشل إسرائيل –رغم امتلاكها لأحدث منظومات الدفاع– في القضاء على قدرات غزة الصاروخية، وهو ما يثبت أن الموقع الضيق تحول إلى “غرفة عمليات مفتوحة” تُعيد تعريف توازنات الردع في المنطقة.
البعد الرمزي–السياسي: من قضية محلية إلى ملف دولي
غزة لم تعد مجرد عنوان فلسطيني، بل تحولت إلى قضية دولية. فبعد حرب 2023–2025، أظهرت الأرقام أن أكثر من 20 ألف طفل استشهدوا في القطاع، وهو رقم صادم أعاد تعريف صورة إسرائيل عالميًا، وأضعف قدرتها على تبرير الحروب في المحافل الدولية.
هذا البعد الرمزي يفسر لماذا تتسابق الدول الكبرى إلى محاولة إدارة ملف غزة: الولايات المتحدة تسعى لتقييد الانفجار ضمن سقف يخدم مصالحها، أوروبا تخشى من تدفقات الهجرة وعدم الاستقرار، الصين ترى في إعادة إعمار غزة مدخلًا لتعزيز “الحزام والطريق”، بينما روسيا تلوّح باستثمار معاناة غزة كورقة في مساوماتها مع الغرب.
غزة في ميزان النظام العالمي: عقدة صغيرة في لعبة كبرى
في ضوء هذه الأبعاد، يمكن القول إن غزة –رغم صغر مساحتها– تجسد مبدأ أساسيًا في الجغرافيا السياسية: أن “النقاط الصغيرة قد تصنع تحولات كبرى”. موقعها يجعلها ساحة اختبار للنظام العالمي الجديد:
إذا سيطرت إسرائيل وأميركا على المشهد، فهذا يعني استمرار الهيمنة الأحادية.
إذا تمكنت غزة من الحفاظ على دورها المقاوم والوسيط الإقليمي، فإنها ستفتح الباب أمام توازنات جديدة في الشرق الأوسط.
وإذا دخلت قوى أخرى كتركيا وقطر ومصر على خط إعادة الإعمار، فإن غزة قد تتحول من “شريط محاصر” إلى “ممر سياسي–اقتصادي” يغير قواعد اللعبة.
خاتمة: غزة كقوة مؤجلة
القيمة الجيوسياسية لغزة ليست مجرد تحليل أكاديمي، بل واقع يفرض نفسه مع كل حرب وكل محاولة لطمس هويتها. صحيح أن الحصار يقيّد الاستفادة من هذه الجغرافيا، لكن التاريخ يؤكد أن القيم الكامنة لا تزول، بل تنتظر لحظة سياسية مناسبة لتنفجر في وجه من يتجاهلها. هكذا، تصبح غزة قوة مؤجلة في ميزان المنطقة، ليست إنجازًا آنيًا بل عقدة جيوسياسية تُربك الحسابات الإسرائيلية والأميركية، وتفتح أمام العالم العربي فرصة لإعادة تعريف نفسه عبر بوابة المقاومة والسيادة.
واشنطن تستقبل الشيباني: اختبار جيوسياسي لسوريا ما بعد الأسد
د. أيمن خالد – رئيس التحرير
الخميس 18 أيلول/سبتمبر 2025
وصول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة الأميركية واشنطن لا يُقرأ كحدث دبلوماسي عابر، بل كعلامة فاصلة في السردية السياسية التي تعيد تعريف العلاقة بين سوريا والولايات المتحدة بعد أكثر من عقدين من التوتر والانفصال. هذه الزيارة ليست مجرد مشهد من مشاهد البروتوكول، بل هي فصل جديد في جيوسياسية الصراع الدولي، حيث تتداخل خرائط النفوذ مع حسابات الأمن، وتتقاطع الرغبة في التهدئة مع منطق العقوبات.
التحول في الموقف الأميركي لا ينبع من عاطفة ولا حتى من مراجعة مبدئية لمفهوم الردع الذي اعتمدته الإدارات المتعاقبة تجاه النظام السوري السابق، بل يأتي من حسابات تتعلق بتوازن المصالح، وتقلّص البدائل، وتغير التحالفات الإقليمية، والانكفاء الروسي، والتفكك الإيراني، وتنامي الدور التركي في الملف السوري. هذه المعادلة الجديدة دفعت واشنطن – مرغمة لا مختارة – إلى الانفتاح الحذر على دمشق الجديدة، تلك التي لم تعد جزءًا من محور "الممانعة"، ولا هي قيد الإملاء الروسي–الإيراني، بل باتت تحاول، رغم هشاشتها، رسم هوية وطنية متوازنة ترتكز على إعادة الشرعية الشعبية والدولية.
تكتسب زيارة الشيباني رمزيتها من كسر الحظر الأميركي السياسي، الذي ظل مفروضًا منذ مطلع الألفية الثالثة، وتحديدًا منذ قانون محاسبة سوريا عام 2003. حينها كان الهدف واضحًا: تقليم أظافر النظام السابق، وتجريده من أدوات التأثير، وعزله عن الحاضنة الإقليمية والدولية. لكن النتيجة، بعد أكثر من عشرين عامًا، كانت كارثية على المستوى الإنساني، والاقتصادي، والبنيوي، إذ أُدخلت سوريا في حالة شلل طويل، دون أن تنجح الولايات المتحدة في إنتاج بديل مقنع. اليوم، مع التغيير الجذري الذي شهدته الساحة السورية بعد سقوط الأسد، وظهور حكومة شرعية مدعومة بإرادة شعبية وغطاء تركي–إقليمي، بات من الضروري إعادة النظر في تلك الاستراتيجية.
لا تُخفي الولايات المتحدة خشيتها من ترك الساحة السورية فارغة لتُملأ من جديد بفاعلين آخرين، خاصة بعد انكفاء موسكو بفعل الحرب الأوكرانية، وانسحاب طهران بفعل الانهيار الاقتصادي والميداني داخل سوريا. الفراغ يعني أن تركيا، وربما قوى أخرى غير دولية، قد تتقدّم بثقل كبير في ملف إعادة الإعمار والسيطرة على المفاصل الأمنية. هذه النتيجة ليست في صالح واشنطن، ولذلك فإن إعادة وصل الجسور مع دمشق الجديدة يمنحها موطئ قدم داخل القرار السوري – وإن بشكل غير مباشر.
ما يجري ليس تقاربًا بالمعنى الرومانسي، بل هو إعادة تموضع استراتيجي متبادل. دمشق تريد رفع العقوبات، والاعتراف بها كفاعل شرعي، واستعادة مكانتها ضمن المشهد الدولي، بينما تريد واشنطن ضمانات سياسية وأمنية واقتصادية، وإبعاد بقايا النفوذ الإيراني، والتحكم في آليات إعادة الإعمار كي لا تذهب إلى قوى منافسة.
لكن السؤال الأخطر يكمن في المدى الذي يمكن أن تبلغه هذه التفاهمات. فرفع العقوبات – خاصة قانون قيصر – ليس مسألة إجرائية فحسب، بل يرتبط بشبكة ضغط سياسية داخل الكونغرس، وجماعات اللوبي، ومراكز صنع القرار. كذلك فإن الالتزام الأميركي تجاه الحلفاء الإقليميين، خاصة إسرائيل، يفرض سقفًا منخفضًا لأي انفتاح على حكومة سورية وإن كانت جديدة. وهذا ما يجعل زيارة الشيباني اختبارًا لا للعلاقات الثنائية فقط، بل لتوازنات أوسع تحكم مستقبل الشرق الأوسط.
في المقابل، تدرك الحكومة السورية أن نافذة الانفتاح محدودة، وأن عليها أن تقدم نموذجًا مختلفًا في التعاطي مع الغرب، يقوم على الوضوح، والمبادرة، وتقديم أوراق قوة ناعمة، دون الوقوع في فخ التنازلات الكبرى. فالتجربة العراقية، والمصرية، وحتى الليبية، أثبتت أن الرهان على واشنطن وحدها مكلف إن لم يكن مدعومًا بإرادة داخلية مستقرة، وتحالفات إقليمية ذكية.
ثمّة من يعتبر أن زيارة الشيباني جاءت تتويجًا لتغيرات ميدانية أوسع، أبرزها انكماش الجيوب الإيرانية، وغياب حزب الله عن المعادلة السورية، وتقلّص نفوذ المليشيات الأجنبية، مما مهّد الطريق أمام سيناريو الدولة الواحدة، وهو ما تتقاطع فيه رؤية دمشق الجديدة مع تطلعات المجتمع الدولي، خاصة الأوروبي، الذي يهمّه وقف تدفق اللاجئين، وعودة الاستقرار إلى شرق المتوسط.
لكن هذا الانفتاح لا يُقرأ بمعزل عن الساحة التركية، التي لعبت دورًا محوريًا في ضمان الانتقال السياسي داخل سوريا، وفي هندسة خطوط الاتصال الجديدة بين دمشق والعالم. الدور التركي في هذا السياق ليس مجاملة، بل استراتيجية، هدفها تحويل سوريا من نقطة توتر إلى حزام استقرار، ومن ساحة تنازع إلى حليف حدودي، وهو ما يتطلب تنسيقًا ثلاثيًا – سوري تركي أميركي – على مستوى ملفات الأمن، والاقتصاد، وإعادة الإعمار، ومكافحة الإرهاب.
أما الجانب الإسرائيلي، فيبقى العائق الأكثر حساسية، إذ لا يمكن لواشنطن أن تذهب بعيدًا في إعادة تأهيل سوريا الجديدة دون طمأنة تل أبيب بأن حدود الجولان لن تُستخدم كمنصة تهديد مستقبلية. وهنا تظهر الحاجة إلى ترتيب أمني جديد، يضمن لسوريا سيادتها، ولإسرائيل أمنها، دون اختزال المشهد في علاقة محكومة بالعسكرة وحدها.
في النهاية، لا تُمثل زيارة الشيباني مجرد رحلة سياسية، بل هي جزء من معركة اعتراف، ومحاولة صياغة مشهد جيوسياسي متوازن في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ أكثر من عقدين. إن نجاح هذه الزيارة لا يُقاس ببيانات الترحيب ولا بعدد اللقاءات، بل بما سيعقبها من خطوات عملية: تخفيف للعقوبات، إطلاق مشاريع دعم اقتصادي، إعادة فتح البعثات، وبدء حوار أمني حقيقي.
إنها لحظة حاسمة في إعادة تعريف موقع سوريا في العالم، وموقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. لحظة تضع الطرفين أمام معادلة صعبة: إما شراكة محسوبة تُراكم المكاسب، أو عودة إلى جدران العزل والإنكار، التي لم تُنتج إلا الفوضى.
غزة والخرائط الملعونة: لماذا لا تنكسر الإرادة رغم فوهات الجحيم؟
فريق الرصد والإعداد
أولًا: الجغرافيا لا تصنع الشعوب... بل تكشف المعادن
حين وُضعت غزة في ذلك الشريط الساحلي الضيق، لم يكن بيدها أن تختار لا الجغرافيا ولا القدر. لكنها قررت منذ النكبة، ومنذ مجازر 1948، ومنذ الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، أن تكون أوسع من خريطتها، وأعمق من موانعها، وأكثر صلابة من جدران الحصار. لم يُعطها العالم فرصة أن تتنفس، لا في الحرب ولا في السلم. لكنها ظلّت، بقدر مذهل من العناد، تتنفس من رئة التاريخ المقاوِم.
اليوم، وبينما تحترق الشوارع وتُقصف البيوت وتُباد العائلات، يقف العالم مذهولًا: كيف يمكن لمجتمع محاصر، شبه مدمر، أن يصمد كل هذا الوقت؟ لماذا لم تنهار بنيته الداخلية؟ وكيف لا يزال قادرًا على القتال رغم المجاعة، ورغم القصف، ورغم التجاهل الدولي؟
الجواب ليس في الأسلحة ولا في التحالفات. بل في المعنى المركب الذي تعنيه غزة: هي تمثل لحظة الوعي العربي المكثف، وشيفرة العناد الفلسطيني القديم، وروح المظلومية التي لا تنكسر حتى وإن صارت وحيدة في مواجهة العالم.
ثانيًا: جيوسياسية النيران… حين يتقاطع الميدان بالصفقات
تبدو غزة اليوم كأنها حرب محلية ضمن رقعة صغيرة. لكنها، في حقيقتها، جزء من خارطة صراع دولي مكتمل الأركان. فالميدان الغزّي مرتبط بتوازنات كبرى: إيران من جهة، والولايات المتحدة من جهة، وروسيا والصين في الخلفية، وإسرائيل في واجهة الصراع.
وراء كل قذيفة تسقط على مخيم أو منزل، توجد صفقة سلاح، وتوجد رسائل سياسية، وتوجد إعادة رسم للنفوذ.
الولايات المتحدة: تعيد تثبيت مظلة الحماية لإسرائيل رغم الفظائع، وتُبقي على الدعم العسكري والسياسي مفتوحًا.
إيران: تستثمر في رمزية الصمود دون أن تُشعل جبهة الجنوب اللبناني بالكامل، محافظة على نمط “التأثير دون التدخل المباشر”.
روسيا: تستغل الحرب لكسر الهيمنة الأميركية على المشهد، وتقدم نفسها راعيًا بديلًا.
الصين: تراقب، وتحلل، وتعدّ أدواتها الاقتصادية لما بعد الحرب.
في خضم ذلك، تصبح غزة مرآةً ميدانية لتوازن الردع بين القوى الكبرى، ومحورًا لصفقات الغاز شرق المتوسط، ومفتاحًا لإعادة تعريف شكل القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
ثالثًا: كسر الإرادة... أو كسر المرايا
أخطر ما في هذه الحرب، أنها ليست فقط محاولة عسكرية لإنهاء المقاومة، بل هي مشروع متكامل لـكسر الهوية الفلسطينية في قطاع غزة، من خلال:
تفكيك المجتمع عبر التجويع والتهجير.
تدمير البنية التحتية لإعادة الإعمار وفق الرؤية الإسرائيلية.
فرض مسارات سياسية جديدة تُخرج غزة من المعادلة النضالية وتُدخلها في حالة إدارية خانعة.
لكن إسرائيل، رغم كل أدواتها، لم تفلح. لماذا؟
لأنها واجهت مجتمعًا لا يرى نفسه مجرد ملف إنساني أو قطاع خدمي، بل يرى نفسه راس الحربة في معركة التحرر الوطني. ولأن ما لم تفهمه القوة الغاشمة، أن غزة لا تُهزم بالسلاح، بل فقط إذا اختار أهلها الاستسلام... وهو ما لم يفعلوه ولن يفعلوه.
رؤية خاصة
الحرب على غزة، في عمقها، ليست فقط معركة بين جيش ومقاومة. بل هي صراع بين تصورين للعالم: أحدهما قائم على الحق والتاريخ والذاكرة والعدالة، والآخر قائم على القوة والهيمنة والمحو والابتلاع.
ومن يظن أن هذه الحرب ستنتهي بـ"اتفاق هدنة"، لا يدرك أن غزة تقاتل من أجل شيء أبعد من وقف إطلاق النار. إنها تقاتل من أجل كسر نمط التاريخ المعلّق، ومن أجل أن تُعاد صياغة معادلة الصراع العربي–الإسرائيلي من جديد: لا سلام دون عدالة، ولا أمن دون حرية، ولا استقرار دون إنهاء الاحتلال.
وغزة، كما كانت دومًا، تقول لنا: قد نسقط من التعب، لكننا لا نُسقِط الراية.
ترامب وبوتين في ألاسكا: تهدئة تكتيكية أم إعادة ترسيم استراتيجية؟
د. أيمن خالد – رئيس التحرير
السبت 16 أغسطس/آب 2025
الولايات المتحدة وإدارة محاور العالم
تدخل الولايات المتحدة قمة ألاسكا من موقع السيطرة الاستراتيجية لا الندية، رغم الصورة التي حاولت موسكو ترسيخها عن “حوار متكافئ”. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، بنت واشنطن منظومة هيمنة مركبة تجمع بين القوة العسكرية (أكثر من 700 قاعدة خارجية)، والسيطرة المالية (الدولار كعملة احتياط عالمية)، وشبكة تحالفات ممتدة عبر الناتو، وقواعد السلاح، واتفاقات الدفاع المشترك.
وما تزال واشنطن الطرف الوحيد القادر على إدارة محاور العالم الأربعة: شرق أوروبا، الشرق الأوسط، المحيطين الهادئ والهندي، وأميركا اللاتينية، متحركة من منطق “إعادة توزيع القوة” وليس مجرد الرد على الخصوم. وقد بدا جليًا أن إدارة ترامب الثانية، وهي أكثر هجومية من سابقتها، تتحرك لفرض تصوراتها لا التفاوض حولها. وهو ما دفع الروس إلى الدخول في القمة على أمل احتواء التصعيد، لا تغييره جذريًا.
ففي ألاسكا، كانت واشنطن صاحبة اليد العليا. ترامب لم يأتِ لعقد اتفاق، بل لرسم خطوط عمل جديدة، تبدأ من أوكرانيا ولا تنتهي عند حدود بحر الصين الجنوبي.
روسيا والاعتراف بانسداد الجبهة الأوكرانية
يبدو أن موسكو دخلت القمة بعقل بارد لكن بقلب ثقيل. فالحرب الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022 تحوّلت إلى حرب استنزاف، لا منتصر فيها ولا مخرج سهل. بوتين يدرك أن استمرارها في هذا الشكل يعني إحدى نتيجتين: إما الانهيار الاقتصادي التراكمي، أو انفكاك الحلفاء الدوليين كما بدأت تظهر إشارات في مواقف الصين والهند وتركيا.
في قمة ألاسكا، لم تبحث روسيا عن تسوية شاملة، بل حاولت فتح نافذة جديدة لنقاشات ما بعد الحرب، تشمل مستقبل أوكرانيا، حدود التسلح الأوروبي، والوجود العسكري الأميركي في بولندا ورومانيا. لكنها لم تحصل على وعود. بل واجهت موقفًا أميركيًا مفاده: “الزمن الآن لإعادة تموضعكم، لا لتقاسم النفوذ”.
من جهة أخرى، سعت موسكو لطرح عروض تجارية جزئية مع واشنطن، تتعلق بتخفيف بعض القيود على التجارة الثنائية (خاصة المعادن والأسمدة واليورانيوم)، لكن ترامب أجّل الرد إلى ما بعد اتصالات أوروبية مرتقبة.
أوروبا على الهامش.. في قلب التوتر
الطرف الغائب الحاضر في القمة هو الاتحاد الأوروبي، الذي لم يكن جزءًا من طاولة ألاسكا، لكنه سيكون جزءًا من فواتيرها. فالتفاهمات الأميركية–الروسية المرتقبة بشأن وقف إطلاق النار، أو حتى إعادة ترتيب الحضور العسكري في شرق أوروبا، ستنعكس مباشرة على موازنات الدفاع الأوروبية، وعلى خيارات باريس وبرلين تجاه الناتو.
والأهم أن أوروبا تبدو الآن عالقة بين رغبتين: التهدئة مع روسيا لأسباب اقتصادية وأمنية داخلية، والاستمرار في دعم أوكرانيا تحت ضغط التزامات الناتو. ما بعد ألاسكا، سيجد الأوروبيون أنفسهم أمام اختبار صعب: هل يمكن أن تسبق واشنطن الجميع في عقد صفقة ميدانية مع روسيا، تفرض على أوروبا واقعًا لم تُستشر فيه؟
التوجس الأوروبي من تصريحات ترامب حول “إعادة ضبط العلاقات الاقتصادية مع موسكو” أثار شكوكًا في بروكسل وباريس حول مستقبل العقوبات، ودور أوروبا في أي حل سياسي مرتقب.
الاقتصاد العالمي.. من بوابة الحرب إلى معادلة النفوذ
رغم الطابع السياسي والعسكري للقمة، فإن الاقتصاد كان ركنًا أساسيًا فيها. ترامب لا يخوض الحروب فقط عبر البنتاغون، بل من خلال الخزانة الأميركية، وصندوق النقد، وأدوات العقوبات. وهو يدرك أن أي تسوية مع موسكو يجب أن تعيد صياغة معادلة التجارة العالمية، خاصة في مجالي الطاقة والمعادن.
من المؤشرات اللافتة، الحديث –ولو بتلميح– عن إمكانية إعادة فتح بعض قنوات التجارة الثنائية مع روسيا، ضمن منظومة مرنة لا تلغي العقوبات الكبرى لكنها تُعيد تطبيع جزئيات منها. هذا التوجه يفتح الباب لتغييرات في سوق الطاقة الأوروبية، ويطرح سؤالًا استراتيجيًا: هل تتجه واشنطن لفك عُقد الاقتصاد العالمي عبر تنازلات اقتصادية متبادلة؟ أم أن الهدف هو استخدام الاقتصاد كورقة ضغط لتأخير تحالف روسيا–الصين أكثر؟
في كل الحالات، فإن عودة ترامب تعني عودة اقتصاد العقوبات لا التفاهمات. إلا أن تحريك التجارة الأميركية–الروسية المحتملة يعكس رغبة في إدارة الصراع لا تفجيره.
ما بعد القمة.. ترامب يتجه إلى زيلينسكي وأوروبا
أبرز مخرجات قمة ألاسكا لا تكمن في بيانها الختامي، بل في الاتصالات التي بدأها ترامب بعدها مباشرة. وفق ما تم تسريبه للصحافة الأميركية، فقد أجرى الرئيس الأميركي مكالمات مباشرة مع كل من فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولتس.
الغاية من تلك الاتصالات ليست التنسيق، بل تبليغ نتائج القمة، وتحذيرهم من “أي تحركات أوروبية فردية قد تخل بتوازن الحل”. ويبدو أن ترامب يريد إشراك أوكرانيا في ترتيبات التهدئة بشرطين: القبول بخسائر ميدانية (أجزاء من دونباس وشرق زابوروجيا)، والانخراط في خطة إعادة الإعمار وفق الرؤية الأميركية لا الأوروبية.
ما يجري ليس مجرد تسوية، بل هندسة ما بعد الحرب. وواشنطن تريد من أوروبا أن تلتزم بدور تابع، ومن كييف أن تلتزم بلغة الواقع لا الأحلام الوطنية.
القمة بوصفها مؤشرًا لتغير قواعد اللعبة
قمة ألاسكا ليست نقطة نهاية، لكنها بداية تحول في قواعد الاشتباك العالمي. فللمرة الأولى منذ عقود، تلتقي قوتان نوويتان كبيرتان بلا وساطة أممية أو أوروبية، وبلا التزامات مسبقة. هذا الشكل من اللقاءات يعني أن النظام الدولي بدأ يتكيف مع نمط جديد: التفاهمات الثنائية بدل النظام المؤسسي.
إذا نجحت مخرجات القمة في إنتاج هدنة مستقرة في أوكرانيا، فستفتح الباب لتفاهمات مماثلة في ملفات أخرى (الشرق الأوسط، بحر الصين الجنوبي، كوريا الشمالية). أما إذا فشلت، فستكون نموذجًا لتحلل النظام الدولي القائم على التعددية.
ما يميز قمة ألاسكا هو أنها لم تَعِد بشيء، لكنها لم تُغلق شيئًا. هي قمة الاحتمالات المفتوحة، حيث لا يوجد اتفاق نهائي، ولا إعلان حرب وشيكة، بل رغبة متبادلة في إبقاء خطوط النار مشتعلة بدرجة حرارة محسوبة.
اتفاق أبراهام: إعادة صياغة المنطقة على مقاس الكيان الصهيوني
صافي محمد مظهر أحمد – كاتبة صحفية
السبت 2 أغسطس/آب 2025
لا يخفى على قارئ لما يجري في منطقة الشرق الأوسط أن اتفاقية أبراهام هي عملية تطبيع شاملة الأركان، تهدف إلى إقامة شبكة من العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية بين بعض الدول العربية والإسلامية والكيان الصهيوني. لا تقتصر هذه الاتفاقية على مجرد تطبيع العلاقات الرسمية، بل تسعى إلى صناعة منظومة فكرية تُروّج لفكرة التعايش والتعاون مع الكيان الصهيوني من خلال المناداة بوحدة الأديان بدايةً، ما يسهل من خلاله تمرير الهيمنة السياسية والاقتصادية. وتُعد هذه العملية وسيلة لتعزيز موقع الكيان الصهيوني في المنطقة، وتثبيت أركانه، عبر كسر الحواجز الشعبية والرسمية التي كانت تقف عقبة أمام قبول وجوده، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوة بما يخدم المصالح الإسرائيلية على حساب القضايا العربية والإسلامية.
في ظل التحولات الفكرية والسياسية الكبرى التي تعصف بالعالم، يبرز بين الحين والآخر الترويج لمصطلحات تعبث بتشكيل "الوعي الجمعي" في سياق حديث يبدو ظاهريًا وحدويًا، لكن عند التأمل فيه يظهر كمصطلح مزيف يُراد به تمرير أجندات لا تتصل بالجوهر العقدي بقدر ما تتصل بمشاريع سياسية وتطبيعية تتخفّى وراء شعارات التعايش والحوار الديني. هذا المصطلح ليس وليد اللحظة، بل يُعد امتدادًا لمشروع فكري سابق عُرف بـ"وحدة الأديان"، وهو المشروع الذي تلقى دعمًا كبيرًا منذ ظهوره، وبلغ ذروته بإعلان بابا الفاتيكان فرنسيس عام 2016 رغبته في إنشاء دين عالمي موحد يضم الإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية، تحت شعارات السلام العالمي والتسامح بين الأديان.
رغم الزخم الإعلامي والسياسي الذي صاحب هذه الدعوة، إلا أنها قوبلت برفض واسع داخل المؤسسات الدينية في العالم، سواء على المستوى الإسلامي أو المسيحي، لما تنطوي عليه من خرق جوهري للفروق العقدية التي تمثل أساسًا في كل ديانة. فعلى خلاف ما يُطرح عن مساحات مشتركة، فإن القرآن نفسه يدعو إلى "كلمة سواء" تمثل دعوة للتوحيد لا للتماهي، ولكل نبي دعوة تميز بها، جمعت بين التوحيد والسلوك، ولم تكن يوماً مشروع إذابة في دين شامل أو وحدة شمولية لا معالم فيها. ومن هذا المنطلق فإن ما يُطرح تحت اسم “الاتفاق الإبراهيمي” ليس سوى حلقة جديدة من هذا المسار، لكن بغلاف سياسي وأهداف جيوستراتيجية واضحة.
اتفاق أبراهام، الذي وقّعته الإمارات والبحرين عام 2020، ولحقت بهما السودان والمغرب، لم يُطرح كاتفاق ديني رسمي بين المؤسسات العقدية، بل جاء كاتفاق تطبيعي سياسي بامتياز، قُدّم بمصطلحات محايدة ومضللة تُوحي بإطار قيمي أو إنساني مشترك، لكنه في حقيقته يتغافل عمدًا عن الفروق العقدية، ولم يُعرض يومًا على جهة إسلامية موثوقة للمراجعة أو التقييم الشرعي، ما يضع علامات استفهام حول صدقيته كمشروع ديني.
من الناحية الواقعية، فإن النظر العميق في مثل هذه المبادرات يُظهر تلاشيًا متعمدًا للبعد العقدي لصالح دعم مشاريع التطبيع، وهو ما يعكس وجهًا جديدًا من التوظيف السياسي للدين. فالدعوات المضلّلة تحت شعار "البيت الإبراهيمي" أو "الديانات الإبراهيمية" ليست سوى أدوات ناعمة في مشروع صلب المرامي، هدفه دمج الكيان الصهيوني في المنطقة وإضفاء مشروعية على وجوده من خلال الانتماء الإبراهيمي. هذا الإدماج لا يقتصر على السياسة فقط، بل يسعى لإعادة تشكيل وعي الشعوب لتقبل الكيان كجزء طبيعي من نسيج المنطقة، وهو ما يشكل خطورة مضاعفة.
الأخطر من كل ذلك، أن المشروع لا يتصف بالجدية الصريحة، بل يعتمد على تكتيك قديم يعرفه أهل البدع: الترويج لفكرة كبيرة مثيرة للجدل لتمرير فكرة أخطر وأكثر ضررًا تحت غطاء الجدل. فبينما ينشغل الناس بالخلاف حول جمع الكتب السماوية أو إنشاء معابد مشتركة، يُمرر التطبيع كأمر واقع ليصبح لاحقًا من المسلمات. هذا المسار يُشبه ما حدث مع مشروع "وحدة الأديان" الذي أُثير ثم تلاشى بعد أداء وظيفته السياسية. ويُعزز هذا الطرح أن صاحب المشروع السياسي كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، المعروف بإطلاق مشاريع رنانة يصعب تنفيذها، لكنها تخدم غاية جزئية محددة بمهارة إعلامية وتلفزيونية مشهودة.
المشكلة لا تكمن فقط في المضمون، بل في السياق الذي يُراد فرضه على المجتمعات، بحيث يصبح الكيان المحتل شريكًا في منظومة أمنية وسياسية، له الحق في التدخل في شؤون المحيط العربي، لا باعتباره خصمًا أو كيانًا دخيلًا، بل كعضو في "الحلف الإبراهيمي". وهذا ما يجعل المشروع خطيرًا، لأنه يتجاوز التقبل السياسي الرسمي إلى محاولة اختراق التقبل الشعبي، وهو الأخطر.
في الحالة السورية، يصبح المشروع أكثر تصادمًا مع الهوية الدينية والثقافية، فالشعب السوري، بأكثريته المتدينة، وبحكم التجذر العميق للمدارس الدينية في حواضر العلم الشامي، لا يمكنه أن يتقبل مشروعًا كهذا دون أن يحدث فيه تمزق داخلي أكيد. فالمجتمع السوري لم يكن يومًا أرضًا خصبة لمشاريع الانصهار الفكري، بل حافظ على تميّز عقدي مدعوم بمنهجية علمية تبلورت في مدارس فكرية شامية عريقة، على رأسها مدرسة الشيخ بدر الدين الحسني، وتلميذه الشيخ علي الدقر، والشيخ حسن حبنكة الميداني، وعبد الكريم الرفاعي، والشيخ أحمد الحارون، وغيرهم من كبار العلماء الذين صاغوا الوعي الديني السوري الحديث. هذه المدرسة كانت حصنًا متينًا ضد آثار الاستعمار الفرنسي، وأثبتت قدرتها على الجمع بين العقيدة الواضحة والروحانية العميقة والمنهج الفقهي المتين، وهو ما يُعزز قدرتها اليوم على التصدي لغزو ثقافي جديد يلبس لبوس الدين.
من مظاهر الخطر أن هذا المشروع لا يعبّر عن نفسه بوضوح، بل يتخفى خلف شخصيات جدلية، كثير منها مثير للريبة، يتحدث باسم مشروع ضبابي لا يتولى أحد توضيح أبعاده، وكأن الجهة المصنّعة لا تريد أن تتحمّل تبعاته إن فشل، وتُحمّل اللوم في ذلك على الأطراف المتلقية. وهذا بحد ذاته ملمح يدل على نوايا غير بريئة، ويستوجب الحذر، لا سيما عندما يُراد تمرير هذه الدعوات ضمن مناهج تعليمية أو مبادرات شبابية بلا جذور علمية أو مرجعية شرعية.
في ضوء هذه المعطيات، فإن أقوى أشكال المواجهة تكمن في تحصين الوعي، وتوجيه المنابر والخطاب الديني والتعليمي نحو إعادة إبراز القيمة الذاتية للعقيدة الإسلامية، وفهم النصوص الشرعية التي تُقر التعايش، لكنها تُحذر من الذوبان في الآخر، عملًا بالهدي النبوي الشريف: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (رواه الترمذي والنسائي). وهذا التحصين لا يكون فقط بالموقف الدفاعي، بل بإحياء المدرسة الفكرية الروحية الفقهية التي أثبتت نجاعتها تاريخيًا، وتقديم قراءة جديدة معاصرة تشرح خطر هذه المشاريع، وتفكك خطابها، وتقدّم بديلاً معرفيًا مقنعًا للجيل الجديد.
أما في الخصوصية السورية، فإن من الحكمة التشديد على خطاب الوحدة في الأصول، والتجاوز المرحلي عن الخلافات الفرعية التي قد تُشغل الساحة عن مواجهة المشروع الجذري الأخطر. وفي هذا السياق يُستأنس بكلام حجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة"، حين فرّق بدقة بين الخلاف في الفروع والخلاف في الأصول، ودعا إلى معالجة كل منهما بما يناسبه. وعلى المؤسسات الدينية والفتاوى والتعليم والثقافة أن تتعاون في صياغة خطاب تحصيني شامل، يعالج الفكرة لا فقط الظاهرة، ويركّز على الجذور لا القشور، ويزرع في الجيل أن قوة العقيدة في وضوحها لا في تميعها، وفي استقلالها لا في اندماجها.
إن المشروع المُشار إليه، بكل خلفياته ورموزه ومصطلحاته، ليس دعوة للسلام، بل إعادة صياغة للمنطقة على مقاس الكيان الصهيوني، ومن غير العقلاني أن نفتح له الأبواب من خلال مناطق رمادية ومصطلحات خادعة تنمو فيها بؤر التمزيق باسم المشترك الإنساني. وتمامًا كما زرعت مشاريع القومية والاشتراكية سابقًا نبتة البعث الخبيثة، فإن تجاهل هذه المشاريع الجديدة قد ينتج ما هو أشد خطرًا إن لم نواجهه بالفكر والمنهج والبصيرة.
بريطانيا وسوريا: عودةٌ دبلوماسية أم انخراط استراتيجي؟
د. أيمن خالد – رئيس التحرير
السبت، 5 تموز/يوليو 2025
في مشهد سياسي نادر، هبطت طائرة وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي في مطار دمشق الدولي، مُعلنةً استئنافًا دبلوماسيًا طال انتظاره بين لندن وسوريا، بعد أكثر من 14 عامًا من القطيعة والاتهامات والتصعيد. لكن الحدث، في عمقه، لا يتعلق فقط بالشكليات الدبلوماسية، بل يُمثّل لحظة كاشفة لتحولات عميقة في مقاربة الغرب للملف السوري.
أول ما يلفت في هذه العودة هو توقيتها. فالزيارة تأتي بعد مرور ثمانية أشهر فقط على سقوط نظام بشار الأسد، وتشكّل الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، وبدء البلاد مسارًا صعبًا في إعادة التشكل السياسي والاجتماعي. ما يعني أن لندن لم تأتِ لترث مشروعًا غربيًا فاشلًا، بل لتفتح قنوات مع واقع جديد يتشكّل خارج الوصاية القديمة.
الأمر الثاني هو أن بريطانيا لم تكن لتتخذ هذه الخطوة لولا صدور قرار أميركي بإنهاء العقوبات على سوريا، وهو ما فعله الرئيس دونالد ترامب بنفسه، موقعًا على أمر تنفيذي ينهي الحصار الغربي ويفتح الباب أمام استعادة القنوات الدبلوماسية.
لكن، ما الذي تريده بريطانيا حقًا؟ ولماذا تعود الآن؟ وهل يمكن اعتبارها ضامنًا سياسيًا لسوريا في ملفات خط التماس الإسرائيلي–السوري؟
لا شك أن لندن تسعى إلى استعادة حضورها في مشهد سياسي كانت فيه متفرجة لفترة طويلة، لكنها تدرك أن الدور لم يعد متاحًا لمن يكتفي بالتصريحات. ومن هنا، فإن المساعدات المعلنة بقيمة 94.5 مليون جنيه إسترليني ليست مجرد محاولة إنسانية، بل مدخل لتعزيز موقعها في عمليات إعادة الإعمار، وتمهيد للعب دور في ضبط التوازنات الإقليمية.
في الوقت نفسه، فإن قبول الرئيس السوري الجديد لقاء لامي، ثم إيفاد وزير الخارجية أسعد الشيباني للقاء المسؤولين الأميركيين، يؤشر إلى أن دمشق تتبنى سياسة "الواقعية الهجومية"؛ أي قبول الانفتاح ولكن بشروط سيادية واضحة: لا عودة إلى الوراء، ولا اعتراف جزئي.
لكن التحدي الأكبر لبريطانيا يتمثل في موقفها من خط التماس الأكثر تعقيدًا في الجنوب: الحدود السورية–الإسرائيلية. فهل ستكون لندن طرفًا داعمًا للاستقرار، أم رهينة للضغوط الإسرائيلية؟ وهل ستقبل بأن تكون ضامنًا سياسيًا لهدنة دائمة على الجبهة السورية–الإسرائيلية؟
هنا تبرز حاجة الحكومة السورية إلى ضامنين حقيقيين يوقفون الغارات، لا شهودًا صامتين على الانتهاكات. فإن أرادت لندن أن تُمنَح دورًا يتجاوز المساعدات والتقاط الصور، فعليها أن تثبت قدرتها على التأثير في معادلة الأمن الإقليمي.
من جهة أخرى، لا يبدو أن سوريا تبحث عن وسطاء فحسب، بل عن شراكة متوازنة مع القوى الدولية التي تُقرّ بحقها في إدارة شؤونها السيادية. والمفارقة أن بريطانيا –ورغم إرثها الاستعماري في المنطقة– تملك مفاتيح ناعمة للدخول في المشهد السوري، إذا ما أرادت أن تلعب دورًا بنّاءً ضمن معادلة جديدة تتشكل في الشرق الأوسط.
إن الاختبار الحقيقي لبريطانيا ليس في الزيارة، بل في ما يليها: هل ستقبل أن تكون جزءًا من الحل، أم تكتفي بكونها ملحقًا للسياسات الأميركية؟ وهل يمكن أن توازن بين مصالحها وتحالفاتها دون أن تفقد موقعها الأخلاقي الذي طالما تباهت به؟
ختامًا، فإن السياسة لا تعترف بالفراغ، وسوريا لم تنتظر أحدًا. فإذا أرادت بريطانيا العودة، فعليها أن تقرأ الخريطة من جديد، وتدرك أن ما بعد الحرب ليس كما قبلها، وأن زمن التبشير بالديمقراطية قد ولى، وجاء زمن الشراكات الواقعية.
هكذا فقط، يمكن للندن أن تعود فاعلًا لا مُشاهدًا في مسرح الشرق الأوسط المتغيّر.
غزة وإدارة الضعف: كيف يفشل الأقوياء في كسر الصامدين؟
د. أيمن خالد - رئيس التحرير
الأربعاء 2 تموز/يوليو 2025
لم تكن الحرب الإسرائيلية على غزة، منذ اندلاعها في 7 أكتوبر 2023، مجرد جولة جديدة في الصراع المفتوح بين الاحتلال والمقاومة. ما نشهده اليوم هو تحوّل نوعي في منطق المعركة، وفي أدواتها، وفي الأبعاد الجيوسياسية التي تُعيد تشكيل المنطقة على إيقاع الدم والدمار. لكن، في مفارقة تاريخية نادرة، تملك غزة، التي تكاد تُمحى من الوجود، قدرة نادرة على تغيير الموازين، ليس من موقع القوّة المادية، بل من منطق "إدارة الضعف"، وهو ما أربك إسرائيل وأفقد حلفاءها القدرة على إنتاج "نصر" يمكن تسويقه.
حين أعلن دونالد ترامب، الرئيس الأميركي العائد إلى الواجهة الدولية، أن إسرائيل وافقت على شروط هدنة لمدة 60 يومًا، بدا وكأنه يقدم انتصارًا دبلوماسيًا محسوبًا مسبقًا في توقيته. لم تكن الخطوة وليدة ضغط إنساني مفاجئ، بل نتيجة قناعة أميركية بأن الحرب استنفدت أغراضها، وأن استمرارها في هذا الشكل بات مكلفًا جدًا على المستويين الأمني والدبلوماسي. لكن الأهم من ذلك، أن الولايات المتحدة تدرك، بوضوح، أن إسرائيل لا تملك طريقًا للنصر، وأن كل يوم إضافي في الميدان يوسّع دائرة الفضيحة، ويُفاقم مأزق الاحتلال.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من جهته، لا يزال يراوغ بلغة التصعيد، ويربط أي تهدئة بما يسميه "تفكيك حماس". لكنه في العمق يعلم أن هذا الهدف لم يعد قابلًا للتحقيق. تسعة أشهر من الحرب لم تفلح في اجتثاث المقاومة، بل على العكس، أظهرت أن التنظيمات الفلسطينية، وعلى رأسها حماس وسرايا القدس، ما تزال تملك زمام المبادرة، وتحتفظ بقدرات عملياتية مرنة، رغم الحصار والتجويع وتدمير البنية التحتية. هذه المفارقة بالذات هي ما يجعل إسرائيل تفشل دائمًا في غزة: إنها تخوض حربًا تقليدية ضد عدو غير تقليدي، وتظن أن فائض القوّة كفيل بتركيع شعب لم يعد لديه ما يخسره.
المشهد الإسرائيلي الداخلي يعكس بدوره هذا الإرباك. الائتلاف الحاكم هش، واليمين المتطرف يلوّح بإسقاط الحكومة إذا مضت في التهدئة، في حين تلوّح المعارضة بتوفير شبكة أمان لنتنياهو إذا وافق على اتفاق تبادل أسرى ووقف الحرب. هذا الانقسام البنيوي داخل إسرائيل يُضعف موقفها التفاوضي، ويجعل أي قرار سياسي عرضة للاهتزاز. كما أن الفشل العسكري في تحقيق الأهداف، والتصاعد في أعداد الجنود القتلى، خلق بيئة ضاغطة على الجيش، الذي بدأ يعاني من حالات تذمر وتراجع في الجاهزية النفسية والعملياتية.
على الطرف الآخر، تنظر حماس إلى المقترحات المطروحة بنظرة واقعية. هي لا ترفض، لكنها لا تقبل إلا بما يحقق الحد الأدنى من العدالة: وقف الحرب، انسحاب الاحتلال، دخول المساعدات، وإطلاق الأسرى. وهي تعلم أن أي اتفاق لا يتضمن هذه الشروط، سيكون مجرد استراحة للعدو، ومحطة لإعادة ترتيب أوراق الإبادة. لذلك، فإن ما يطلق عليه "المرونة الحمساوية" لا يعني التراجع، بل هو تعبير عن نضج سياسي واستعداد لتوظيف المعركة في سياقها الأوسع.
الوسطاء، وخاصة مصر وقطر، يبدون اليوم أكثر حرصًا على إنجاح المسار التفاوضي. لكنهم يواجهون صعوبة حقيقية في جسر الهوة بين الطرفين. فإسرائيل تريد صفقة جزئية تُخرج من خلالها أسراها وتُبقي على اليد العليا ميدانيًا، بينما تريد المقاومة اتفاقًا شاملًا يعيد تثبيت معادلة الردع، ويربط بين الملف الإنساني والسياسي. وهذا التناقض يعكس جوهر الصراع: إسرائيل تتعامل مع غزة كملف أمني، أما الفلسطينيون فيتعاملون معها كقضية وجود وهوية وكرامة.
إن استمرار الحرب لم يعد مجديًا حتى في الحسابات الصهيونية البحتة. فالخسائر الاقتصادية تتراكم، والصورة الخارجية للجيش الإسرائيلي تتهاوى، والاتهامات بارتكاب جرائم حرب تجد طريقها إلى المؤسسات الدولية. وقد بات من الصعب على أي حليف غربي أن يبرر استخدام التجويع كأداة عسكرية، أو أن يُسكت صوته إزاء تفشي الأمراض وسقوط آلاف الأطفال جوعًا ومرضًا. وحتى داخل المجتمع الإسرائيلي، بدأت تبرز أصوات ترفض استمرار القتال بهذه الطريقة، وتطالب بإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ما يدور اليوم ليس مفاوضات على وقف إطلاق نار فقط، بل هو مفاوضات على شكل النظام الإقليمي القادم. فغزة، بما تمثله من صمود وتحدٍّ، تضع المنطقة أمام مرآة جديدة. هل تنجح إسرائيل في إعادة صياغة غزة وفق رؤيتها الاستعمارية؟ أم أن المشروع الصهيوني يترنّح على صخرة لا يمكن اقتلاعها؟ الإجابة لا تزال معلّقة، لكن المؤشرات تقول إن صلابة المقاومة، ووضوح الرؤية، وتماسك الجبهة الداخلية، كلها عوامل تصنع تحوّلًا استراتيجيًا لا يمكن إنكاره.
لعلّ أخطر ما تُدركه تل أبيب اليوم، هو أن "إدارة الضعف" التي يمارسها الفلسطينيون، باتت نموذجًا جديدًا في الصراعات غير المتكافئة. إنها ليست فقط مقاومة مسلّحة، بل مقاومة بالوعي، بالتكافل، بالصبر، وبالثبات على الأرض رغم المحارق. وهذا النموذج يُعد اليوم مرجعًا لحركات تحرر عديدة حول العالم، ويُربك العقل العسكري التقليدي الذي بُني على معادلة الحسم السريع.
التحركات السياسية الجارية اليوم قد تُفضي إلى اتفاق مؤقت، أو هدنة محدودة. لكن جوهر المعركة لم يُحسم بعد. فالمقاومة ترى أن أي تهدئة يجب أن تكون بوابة نحو نهاية الحصار، وإعادة إعمار القطاع، وضمانات دولية تمنع تكرار العدوان. بينما تسعى إسرائيل إلى تجزئة الحل، وتفكيك المطالب، وتشتيت الأولويات، في محاولة لشراء الوقت، بانتظار لحظة دولية أنسب.
ما يجعل كل هذا مختلفًا هذه المرة، هو أن غزة، رغم جراحها، لم تنكسر. وأن المقاومة، رغم الحصار، لم تنعزل. وأن المفاوض الفلسطيني، رغم التهديد، لم يعد وحيدًا في الساحة. ومعادلة "الاحتلال مقابل السلام" لم تعد صالحة، لأن ما يُطلب اليوم هو "الحرية مقابل البقاء"، و"الكرامة مقابل الغذاء"، و"العدالة مقابل وقف الإبادة".
وفي ضوء ذلك، فإن إدارة اللحظة السياسية، والتعامل الذكي مع التحركات الدولية، واستثمار الزخم الشعبي والحقوقي المتصاعد، كلها تحديات كبيرة أمام حماس وفصائل المقاومة. لكنها أيضًا فرص نادرة لصياغة مخرجات استراتيجية جديدة، تُحوّل هذا الصمود إلى مكتسب سياسي لا يمكن تجاوزه.
ختامًا، فإن إسرائيل قد تمتلك الطائرات والدبابات، لكنها تفتقد إلى ما هو أخطر: الشرعية، والرؤية، وامتلاك الزمن. أما غزة، فإنها لا تملك سوى إرادة الحياة. وتلك، في نهاية كل الحروب، هي التي تنتصر.
ترامب ونتنياهو… هل آن أوان إنهاء الحرب أم إدارتها من البيت الأبيض؟
مارية أيمن - باحثة في العلاقات الدولية
1 يوليو/تموز 2025
تبدو تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن رغبته في لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مطلع الأسبوع المقبل لحسم ملف غزة، مؤشراً مفصلياً على مسار إدارة الحرب الإسرائيلية المتواصلة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فالسياق الذي جاء فيه هذا الإعلان، بعد يوم دموي جديد حصد أكثر من مئة شهيد، يوحي أن واشنطن باتت أمام مفترق طرق: إما الدفع باتجاه تسوية محدودة توقف التدهور، أو الإيغال في إدارة الأزمة وتجميلها تحت عناوين إنسانية.
لا يمكن فصل هذا التحول في النبرة الأميركية عن التطورات الميدانية والضغوط السياسية المتنامية. فإسرائيل، رغم الآلة العسكرية الجبارة، ما تزال عاجزة عن القضاء الكامل على المقاومة، وباتت حربها تتآكل داخلياً وسط تزايد الإرباك في صفوف جنودها وشكاوى عائلات القتلى، كما تفاقمت أزمتها الدبلوماسية مع المجتمع الدولي بعد توالي التقارير الحقوقية التي توثق الجرائم ضد المدنيين، لا سيما الأطفال.
من ناحية أخرى، يسعى ترامب إلى توظيف هذا الملف المعقد في معركته الانتخابية المقبلة، إذ يدرك تمامًا أن أي صورة له وهو يقود اتفاقًا بشأن غزة ستمنحه نقاطًا إضافية في سباق الرئاسة. وهو بذلك يحاول إعادة صياغة دوره كصانع سلام، مستفيدًا من فشل إدارة بايدن في فرض إيقاع دبلوماسي حاسم.
لكن دونالد ترامب لا يتحرك من فراغ. فالاتفاق الذي قد يُطرح لا يمكن فصله عن الشرط الذي ظل يردده بنيامين نتنياهو مرارًا: لا نهاية للحرب إلا بانتهاء "حكم حماس" في غزة. هذه العبارة تبدو حتى اللحظة خارج سياق الإنجاز، بالنظر إلى صمود المقاومة ميدانيًا، وقدرتها على إعادة تنظيم صفوفها، فضلاً عن احتفاظها بورقة الجنود الإسرائيليين الأسرى.
من هنا، فإن فرص نجاح أي اتفاق ستظل مشروطة بأمرين متلازمين: وجود صيغة ترضي الطرف الإسرائيلي دون أن تسقط "صورة النصر" إعلاميًا، وقدرة الأميركيين على فرض هذه الصيغة على حكومة نتنياهو المحاصرة بالأزمات. وفي هذا السياق، قد يُطرح سيناريو "وقف مؤقت لإطلاق النار مقابل صفقة أسرى جزئية"، كمدخل لتهدئة مؤقتة تختبر النوايا وتعيد ترتيب الأوراق.
على الجهة الأخرى، فإن استمرار الحرب دون اتفاق سيعني مزيدًا من التدهور الإنساني في قطاع غزة، الذي يشهد الآن انهيارًا كاملاً للمنظومة الصحية وتفشي الأمراض وانعدام الغذاء، فيما تتحدث "أونروا" عن مجاعة مستشرية وقتل منهجي للمدنيين قرب مراكز المساعدات. هذا الوضع الكارثي قد يدفع بالعديد من الدول المترددة إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة، ما قد يعقّد حسابات واشنطن وتل أبيب معاً.
ولعل العنصر الأكثر حساسية في هذه المرحلة هو موقع حماس من أي اتفاق. فالحركة لا تزال تحتفظ بشروط واضحة: وقف الحرب، انسحاب الاحتلال، ورفع الحصار، وهو ما يجعل أي حل جزئي يصعب تمريره دون تقديم مقابل ملموس، سواء على صعيد تبادل الأسرى أو تهيئة مسار سياسي مستقبلي. ومن المرجح أن تبقى المقاومة متمسكة بأوراقها حتى اللحظة الأخيرة، خاصة مع إدراكها أن الميدان ما زال يفرض أثمانًا مرتفعة على الجيش الإسرائيلي.
في المحصلة، يبدو أن ترامب يحاول الإمساك بخيوط اللعبة من جديد، لكن دون ضمانات حقيقية بأن بمقدوره إنهاء الحرب أو حتى إدارتها دون كلفة سياسية عالية. فالملف أكثر تعقيدًا مما يظهر، ويتجاوز الحسابات الثنائية بينه وبين نتنياهو، ليدخل في صلب المعادلة الإقليمية والدولية حول مستقبل غزة والمقاومة والعلاقة الأميركية الإسرائيلية ذاتها.
إن ما يُطرح الآن في البيت الأبيض ليس مجرد لقاء سياسي، بل محاولة لالتقاط لحظة حرجة ربما لا تتكرر، وهي لحظة الانهيار الأخلاقي الكامل في غزة، والتعب العسكري الإسرائيلي، والتململ الدولي من استمرار المجازر. وإذا فشل ترامب في تحويل هذه اللحظة إلى مبادرة حقيقية، فقد يجد نفسه لاحقًا أمام حرب أطول، وأكثر إحراجًا، وربما أكثر كلفة على أمن إسرائيل نفسها.
إيران وروسيا والصين... تحالف لإنهاك أميركا أم شراكة تكتيكية؟
د. أيمن خالد - رئيس التحرير
الخميس 19 يونيو/حزيران 2025
لا شيء في الجغرافيا يبقى على حاله، ولا في السياسة كذلك. حين تتقاطع الطموحات في لحظة انكشاف غربي، وتتكثف الأزمات في مساحات الفراغ، يُولد ما يشبه التحالف، لكنه ليس تحالفًا بالمعنى التقليدي، بل شبكة مصالح مؤقتة، وأحيانًا مصيدة متبادلة. ذلك هو حال العلاقة المركبة بين إيران وروسيا والصين، ذلك المثلث الذي تراه واشنطن تحديًا، وتراه طهران خلاصًا، بينما تتعامل معه موسكو وبكين كأداة في لعبة كبرى تُدار بأعصاب باردة، وأدوات محسوبة، وحدود لا تُقال.
لم يكن انجذاب إيران نحو هذا المحور خيارًا سياديًا نابعًا من التقاء مشاريع أو تطابق رؤى حضارية، بل تعبيرًا عن عزلة متراكمة، ومحاولة للهروب من شبح السقوط في فلك الخصوم. ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، بدا أن طهران تبحث عن بدائل تملأ فراغ الثقة. جاءت موسكو بقوة نيرانها في سوريا، وجاءت الصين بعقود تجارية ثقيلة ومبادرة الحزام والطريق، لكن لم تأتِ ضمانات. وهنا يكمن جذر التوتر: إيران تريد شركاء، بينما الآخرون يريدون وظيفة.
المفارقة أن روسيا نفسها غارقة في عزلة العقوبات بعد غزو أوكرانيا، والصين تواجه حصارًا اقتصاديًا واستراتيجيًا ممتدًا من بحر الصين الجنوبي إلى وول ستريت. لذا فإن التقاء الأطراف الثلاثة ليس اندماجًا عضويًا، بل تقاطع هاربين. تقاطع تدفعه الرغبة المشتركة في تحجيم النفوذ الأميركي، لكنه يفتقر إلى البنية الصلبة التي تحول التقاطع إلى اندماج. لا مشروع حضاري يجمعهم، ولا قاسم ديمقراطي، ولا حتى تجربة مؤسساتية واحدة تُحتذى. فقط شعار "كسر الهيمنة"، وهو شعار مرن، قابل للتأويل، ويُستخدم غالبًا لتبرير السلوك بدل تغييره.
حين يُرفع مبدأ "احترام السيادة" كراية جامعة، فإنه يُصبح مجرد ورقة في سوق المصالح. روسيا التي تتحدث عن السيادة تدك أوكرانيا، والصين التي تحذّر من التدخل في الشؤون الداخلية تُتهم بقمع الإيغور، أما إيران فتمارس تصدير الثورة وتبني شبكات مسلحة خارج حدودها. هذا التناقض البنيوي يضعف أي أمل في تحويل هذا المحور إلى جبهة صلبة، فكل طرف يقف على أرضية مزدوجة: خطاب أخلاقي وممارسة نفعية. بل إن طهران ذاتها تُعامل في هذا السياق كملف أمني لا كشريك سياسي.
في ملفات الطاقة، تستفيد الصين من النفط الإيراني بأسعار مخفضة، بينما تعتبره موسكو منافسًا في السوق الآسيوية. وحين تشتد المعركة في أوكرانيا، تتحول طهران إلى محطة ضغط لإشغال الولايات المتحدة بجبهة الشرق الأوسط، لكنها لا تحظى بمظلة ردع حقيقية. لا أحد يحرك بارجة لحمايتها، ولا تُرسل الأقمار الصناعية لمراقبة سمائها. الدعم لا يتجاوز التكنولوجيا الاستخباراتية المحدودة، وصفقات بالية من منظومات دفاعية لا تخيف إسرائيل ولا توقف واشنطن. وفي المقابل، تستفيد موسكو من التصعيد الإيراني لتوزيع الانتباه، بينما تُطوّق الصين مصالحها من الخليج إلى البحر المتوسط دون ضجيج.
تدرك إيران هذا الاستخدام، لكن لا خيارات أمامها. تكتيك “تبادل الأدوار” في استنزاف واشنطن لم يُعِد لها وضعها الإقليمي، بل كاد أن يكلّفها السقوط الداخلي. ومع كل جولة تصعيد مع إسرائيل دون غطاء روسي أو صيني، تزداد هشاشة الموقف الإيراني، وتتقلص أوراق المناورة. لم تكن الضربات الأخيرة التي طالت العمق الإيراني مجرد اختبار أمني، بل إشارة صريحة: أنتم وحدكم في الميدان. ورغم التصريحات المعلبة التي صدرت من موسكو وبكين، لم يتغير شيء في قواعد الاشتباك، ولم تُرسل طلقة واحدة للدفاع عن منشآت إيران النووية أو موانئها.
يتعامل الروس مع النظام الإيراني كحليف ضروري في سوريا، لكنهم ينافسونه في الاقتصاد ويسيطرون على ممرات حيوية. ويتعامل الصينيون مع طهران كحلقة في سلسلة التوريد، لا كشريك يمكن التضحية من أجله. وإذا ما اشتعل الخليج، فستغلق بكين دفاترها الاستثمارية قبل أن تعلن موقفًا. وحتى اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين الصين وإيران، الموقعة عام 2021، لم تتعدَ إطارها الورقي، وظلت معلّقة بين التهديد الأميركي والخوف من توريط بكين في صراعات غير محسوبة.
وحدها إيران تقاتل على كل الجبهات، بينما الآخرون يراقبون عداد الخسائر. وإذا كانت اللحظة الحالية تشهد انبعاثًا لمفهوم “المحاور العالمية” فإن محور طهران–موسكو–بكين يبدو كمحور متردد، متصدع داخليًا، هش سياسيًا، وإن بدا متماسكًا ظاهريًا في مواجهة العدو المشترك. المشهد المعقّد لا يُنتج توازن رعب بل توازن احتواء. لا أحد في هذا المحور يريد أن ينتصر الآخر، بل يريد لكل طرف أن يظل في حدوده، دون أن يتضخم، ودون أن يسقط. إنها معادلة “العدو المفيد”، حيث تبقى إيران كافية لإشغال واشنطن، لكن ليست جديرة بالحماية.
كل هذا يُعيدنا إلى السؤال الحقيقي: هل ما يجري تحالف لإنهاك أميركا، أم مجرد تقاطع مؤقت تحكمه اللحظة؟ الواقع أنه لا التحالف صلب، ولا الهدف موحّد. بل هي مصالح تتقاطع الآن، وقد تتنافر غدًا، ولن يكون مستغربًا أن ترى الصين تعيد تموضعها في الخليج، أو أن تُغلق روسيا ملف طهران مقابل مكاسب في أوكرانيا أو قوقاز. التحالف حين لا يقوم على مبادئ، ينهار مع أول عرض مغرٍ. وطهران التي تعتقد أن عزلتها تحميها، قد تكتشف متأخرة أن الانعزال عن الحلفاء أقسى من العداء مع الخصوم.
في اللحظة التي تشتد فيها النار، لا تختبر فقط القدرة على الصمود، بل أيضًا صدق الشركاء. وما يبدو اليوم كثالوث متحد، قد يتفكك غدًا مع تغير رياح المصالح، أو تغير رأس في الكرملين، أو سياسة جديدة في بكين. وحدها طهران تحتاج إلى مراجعة جادة: لا أحد يحارب حربك إن لم تكن قادرًا على حملها وحدك.
تحالف الخاسرين: حين تصبح المحاكم بديلاً عن الحروب
د. أيمن خالد - رئيس التحرير
الأحد 1 حزيران/يونيو 2025
لم يكن ظهور تحالفات جديدة في الشرق الأوسط أمرًا غريبًا على توازنات الصراع، لكن اللافت في المرحلة الراهنة أن التحالف الذي تحاول روسيا قيادته لا يستند إلى معادلة قوى صاعدة، بل إلى محاولة أخيرة لملء فراغ استراتيجي تركه انسحابها التدريجي من موقع الفعل في النظام الدولي. فبعد سلسلة الهزائم الرمزية والعسكرية في أوكرانيا، وتآكل نفوذها في سوريا وآسيا الوسطى، لم يعد أمام موسكو سوى البحث عن تحالفات هشّة لإثبات أنها لا تزال جزءًا من نادي الكبار، وإن كان ذلك من موقع الضعف لا القوّة.
يضم هذا التحالف المرتقب دولًا ونظمًا فقدت بوصلتها بين الماضي والمستقبل، وجماعات لا تزال تتغذى على خطاب ما قبل 2011، وفصائل ترى في روسيا الملاذ الأخير بعد تراجع النفوذ الإيراني وهشاشة البدائل التركية أو الصينية. لكن التحدي الحقيقي لا يأتي من الولايات المتحدة بصفتها القوة المضادة، بل من أدواتها غير العسكرية: الإعلام، القانون الدولي، الشرعية الرمزية، والمحاكمات السياسية المغلّفة بخطاب إنساني.
لقد أصبح تفكيك التحالفات لا يحتاج إلى غزو عسكري، بل إلى مشهد قانوني مركّب: زعيم مطلوب لمحكمة، ونظام تُفتح سجلاته السرية، ومجموعات يُعاد توصيفها ككيانات إرهابية أمام مجلس الأمن، وأجهزة إعلام تُفكك رمزية "الممانعة" إلى خطاب دعائي أجوف. إنها مرحلة تُدار فيها القوة عبر المرافعات لا المدافع.
ولعل النموذج السوري بعد سقوط الأسد خير شاهد: لم تُسقطه القنابل، بل العزلة، والملفات السرية، والانشقاقات الباردة. والأدهى أن سقوطه تم دون مقاومة روسية حقيقية، بل بارتباك موسكو وعجزها عن تقديم أي حماية سياسية أو عسكرية. فالكرملين لم يعد قادرًا على الدفاع حتى عن ذاته، فكيف عن حلفائه؟
هذا يقودنا إلى سؤال جوهري: هل نحن أمام نهاية أدوار القوى التقليدية في الشرق الأوسط؟
الجواب ليس بسيطًا، لكنه يميل إلى "نعم"، إذا نظرنا إلى سلسلة التحولات:
إيران باتت قوة منهكة تحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذها في العراق ولبنان، لكن دون طموح استراتيجي.
روسيا خرجت من سوريا مُحرَجة، تاركة حلفاءها بلا غطاء جوي ولا دبلوماسي، ولا حتى معنوي.
الفصائل المرتبطة بمحور المقاومة دخلت مرحلة التآكل الداخلي، بعد أن خسرت الغطاءين: الجماهيري والسياسي.
الأنظمة التي راهنت على دعم موسكو باتت تحت أنظار المحاكمات الدولية، والملفات أُرسلت بالفعل إلى محكمة الجنايات في لاهاي.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الدول التي ظنّت أن التمترس خلف موسكو سيحميها من السقوط، هي نفسها التي ستُحاكم، ليس بسبب تحالفها، بل بسبب الرهان الخاسر على شريك تاريخي خذول.
تاريخ روسيا حافل بالتخلّي: من أفغانستان إلى العراق، من البوسنة إلى أوكرانيا، دائمًا ما تتخلى موسكو عن حلفائها عند أول منعطف، بل وتسلمهم أحيانًا طوعًا لتسهيل تفاهماتها مع الغرب. وفي كل مرة، يتكرر السيناريو ذاته: تسليح ودعم، ثم انسحاب وصمت، ثم تبرؤ علني. إنّها دولة تحترف بيع الحلفاء مقابل البقاء في المفاوضات.
هذا المشهد لا يُعيد فقط رسم خرائط النفوذ، بل يُدخل الشرق الأوسط في طور جديد من العلاقات الدولية: طور الردع بالمحاكمة لا بالمعركة. فبدلاً من إسقاط الأنظمة بالدبابات، يتم جرّها إلى المحاكم، وتجريدها من شرعيتها خطوة بعد خطوة. وهي استراتيجية ناجحة حتى الآن، إذ يتم عبرها تصفية الخصوم سياسيًا، وعزلهم إعلاميًا، وتدمير سردياتهم دون إطلاق رصاصة.
ومع استمرار هذا النهج، فإن تحالف موسكو الجديد لن يصمد، لا لأنه ضعيف، بل لأنه لا يملك أدوات العصر. لم يعد زمن الحرب الباردة صالحًا في عالم تُدار فيه المعارك عبر البيانات القانونية، وتسقط فيه الأنظمة بمجرد توقيع على مذكرة توقيف دولية.
أخيرًا، تبدو روسيا كمن يقف في قاعة الأمم مرتديًا بزّة المنتصرين، بينما الزمن يُحاكمه بجريرة ما فعله في الأمس. هي آخر الواصلين إلى الطاولة، لكنها أول من سيغادرها، وقد تترك خلفها سلسلة أنظمة متهالكة، تنتظر دورها في المحاكم، لا في المؤتمرات.
غزة بين القصف والرغيف: حين تتحوّل الإغاثة إلى قناع للإبادة
د. أيمن خالد – رئيس التحرير
الأربعاء 28 أيار/مايو 2025
تستفيق غزة كل يوم على احتمال الزوال—not فقط بسبب الجوع، ولا بسبب الطائرات التي لا تنام، بل لأن النظام العالمي قرّر أن يُطبّع مع القتل الجماعي، وأن يُسكِت صوته الأخلاقي مقابل موازين مصالح باتت تُقاس بالدم.
في اليوم الـ600 من الحرب الإسرائيلية على غزة، لم تعد المجازر تثير الذهول. بل أُدرجت في لغة الإحصاءات اليومية. لم تُحدث مأساة هذا الصباح، حيث قُصف منزل في منطقة الصفطاوي واستُشهدت عائلة بأكملها، أي صدمة في عواصم القرار الغربي. لكنها أطلقت صرخة في الوعي الفلسطيني: أن تنزف لا يعني أن يُنصت لك العالم.
ما هو أشد من الصواريخ، هو ما يُسمّى اليوم "السياسة الإنسانية". حين تدخل الولايات المتحدة بمبادرة إغاثية تُقصي الأمم المتحدة وتُدار عبر قنوات تتجاهل الفلسطينيين، فإن الجوع يصبح أداة حرب. توزيع الطحين تحوّل إلى عرض مسرحي عالمي، وقوافل المساعدات صارت مواقع موت يتربّص بها القناصة.
عند إحدى نقاط التوزيع في رفح، سقط ثلاثة شهداء وأُصيب العشرات، فقط لأنهم جائعون.
ما قاله المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، بأن "نظام المساعدات المدعوم أميركياً في غزة هو هدر للموارد وإلهاء عن الفظائع"، لم يكن تصريحاً فنياً. بل كان لائحة اتهام سياسية أخلاقية. لا شيء يُخزي الكرامة الإنسانية أكثر من تحويل رغيف الخبز إلى أداة خضوع.
توزيع المساعدات اليوم لا يعني إنقاذًا، بل إعادة تشكيل. تقليص عدد مراكز التوزيع من 400 إلى 3 أو 4 فقط، ليس قراراً لوجستياً، بل خطة تهجير ناعمة. إقصاء الفلسطينيين من إدارة المساعدات، وتمكين الاحتلال من تنظيم وصول الغذاء، هو إعلان سافر بأن "الاحتلال يقرر من يأكل ومن يجوع".
ما حدث في رفح لم يكن حادثاً عشوائياً، بل نتيجة منظومة متعمدة. حين يدفع الجوع الحشود إلى التدافع، ويُطلق الجنود النار، لا نكون أمام فوضى، بل أمام فخّ ميداني مُهندس.
إسرائيل لا تقصف فقط. إنها تعيد تعريف العمل الإنساني. الغذاء أصبح طُعماً، والإغاثة صارت خطاباً دعائياً، والمحتاجون يُعاملون كأرقام في لوحة السيطرة، لا كأرواح إنسانية.
الهدف لم يعد السيطرة على الأرض، بل تفكيك معنى الإنسان الفلسطيني. تدمير البيت، ثم تدمير الإرادة. اغتيال الجسد، ثم إذلال الكرامة.
رفض المنظمات الأممية التعاون مع ما يُسمّى "مؤسسة غزة الإنسانية" التي ترعاها واشنطن، موقف يُحترم. لكنه لا يكفي. الانسحاب لا يصنع الحقيقة. المطلوب فضح هذه المسرحية، وجرّ من صاغها إلى المحاسبة.
ما نشهده في غزة ليس مجرد عدوان عسكري، بل حرب ضد المعنى. حين تُحوَّل المساعدات إلى أداة تهجير قسري، ويُصمت النظام الدولي، فإننا لا نعيش خللاً سياسياً، بل انهيارًا في البنية الأخلاقية الكونية.
الفلسطيني اليوم لا يدافع فقط عن بيته أو بقاءه، بل عن السؤال الجوهري: هل يحق له أن يكون إنساناً؟ أن يقف في طابور الغذاء دون أن يُقنص؟ أن يُعترف بألمه لا أن يُدرج في خانة "الأضرار الجانبية"؟
خاتمة استراتيجية
ما يحدث في غزة ليس أزمة إنسانية فقط، بل صدام وجودي مع مرتكزات النظام الدولي. في التحليل الاستراتيجي القادم، سنفكّك بنية "الإغاثة المُسلّحة" من منظور قانوني وسياسي، ونرصد كيف تحوّلت غزة إلى جبهة مواجهة مع انهيار العدالة العالمية.
النووي الإيراني بين روما وواشنطن: صراع الإرادات في زمن التحولات الجيوسياسية
د. أيمن خالد - رئيس التحرير
الجمعة 23 أيار – مايو 2025
حين تنطلق جولة خامسة من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة دون مشاركة تقنية، فذلك لا يعني أن النقاش بلا قيمة، بل إن القيمة انتقلت من غرف التخصيب إلى ساحات التموقع السياسي. في العاصمة الإيطالية روما، احتضنت السفارة العُمانية محادثات هي الأرفع منذ سنوات بين الطرفين، لكنها في ذات الوقت الأشد هشاشة من حيث البنية التفاوضية. لا خبراء، لا تفاصيل، فقط رسائل.
غياب الوفد الفني الإيراني يُقرأ في دوائر القرار الغربية على أنه موقف تفاوضي محسوب، وليس نقصًا في الجاهزية. إيران تدرك أن سياق المفاوضات تغير كليًا منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فالاتفاق الذي وُقّع عام 2015 لم يعد يُلزم أحدًا، لا قانونيًا ولا سياسيًا. ومبدأ "الضغط الأقصى" الذي أطلقه ترامب قبل انسحابه من الاتفاق في 2018 عاد الآن بصيغة أكثر هجومية، مدعومًا برؤية أكثر تشكيكًا في جدوى أي تعهد إيراني، خصوصًا مع تنامي التعاون العسكري الإيراني–الروسي في ملفات خارج الإطار النووي.
الجولة الجديدة تُعقد في ظل ظرف جيوسياسي غير مسبوق. واشنطن تعاني من تآكل نفوذها في الشرق الأوسط، وطهران تنسج تحالفات أوسع مع موسكو وبكين، ما يقلل من قيمة النفوذ الغربي الاقتصادي التقليدي. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ضبط العلاقة مع إيران على قاعدة "التقييد الكامل أو لا شيء"، وهو ما جعل موقفها من التخصيب أكثر تصلبًا، حيث يشدد المبعوث الأميركي ويتكوف على أن بلاده "لا يمكن أن تقبل حتى بنسبة واحد بالمئة من قدرة التخصيب".
لكن هذا التشدد الأميركي يتقاطع مع براغماتية عُمانية تعرف أن طهران لن تعيد النقاش إلى المربّع الأول ما لم تُمنح إشارات موثوقة حول رفع العقوبات، وهو ما لم تُقدّمه واشنطن حتى الآن. إيران التي تتحدث الآن من موقع مختلف بعد سقوط نظام الأسد وتعزيز حضورها في مناطق التوتر الإقليمي، لم تعد تتفاوض تحت ضغط العزلة، بل من موقع لاعب مُحاط بشركاء دوليين مناوئين للهيمنة الأميركية، ولو بدرجات متفاوتة.
المعادلة التي تحكم هذه الجولة إذن ليست فنية ولا حتى قانونية، بل هي معادلة جيوسياسية بامتياز. أميركا تُعيد تعريف موقعها في الشرق الأوسط، وتحاول تطويع السلوك الإيراني من خلال محادثات لا تريد لها أن تصل إلى اتفاق، بل إلى التزام دون مقابل. وإيران، من جهتها، ترد على هذا النمط التفاوضي بمقاربة "الخطوط العامة فقط"، بحيث ترفض الخوض في تنفيذ أي بند قبل أن تتيقن أن الطرف الآخر جاد في احترام التزاماته.
في خلفية هذا المشهد، تقف إسرائيل التي تسعى لتأجيج الموقف الأميركي، وتضغط من خلال علاقاتها مع الحزب الجمهوري لمنع أي انفراجة في الملف. وتدرك طهران جيدًا أن أي اتفاق غير قابل للحماية من واشنطن لن يصمد، وأن أي تفاهم هشّ قد يتحول إلى أداة ضغط إضافية لا مكسب سيادي.
ما يجري في روما ليس تفاوضًا على اليورانيوم، بل على النفوذ. المعركة الحقيقية تدور حول من يُرسم له مستقبل القوة الإقليمية، ومن يسمح له بالوصول إلى مرحلة "الدولة ذات السيادة المكتملة". لذلك، فإن غياب الوفد التقني ليس إهمالًا، بل تعبير عن حالة الجمود الناتجة عن عجز الطرفين عن الاعتراف بأن كل ما هو مطروح سبق تجربته… وسقط.
الجولة الخامسة لن تُنتج اتفاقًا، لكنها ستُعمّق إدراك العواصم الكبرى أن الملف النووي الإيراني لم يعد معزولًا عن خرائط الطاقة، والتحالفات العسكرية، وساحات الاشتباك الإقليمي من اليمن حتى أوكرانيا. وإذا لم تُفهم هذه المعادلات، فإن كل مفاوضات مقبلة، مهما بلغ عدد جولاتها، ستبقى تدور حول محور واحد: تثبيت الوضع الراهن، لا تغييره.
البحر الأحمر: الجبهة الخفية تُفتح بنار المسيّرات… من يُمسك بزمام الممرّات؟
مارية أيمن - باحثة في العلاقات الدولية
الثلاثاء 6 أيار – مايو 2025
في لحظة بدا فيها أن الخرائط الجيوسياسية تستقر مؤقتًا، انفجر المشهد السوداني من جهة بورتسودان، لا كجبهة داخلية فقط، بل كبوابة جديدة لحرب إقليمية–دولية خافتة بدأت بالتصعيد عبر الطائرات المسيّرة، وأحرقت مستودعات الوقود ومحطة الحاويات، لكنها في العمق استهدفت نقطة التقاء المصالح العليا في البحر الأحمر. وما بين نيران الطائرات وصمت الموانئ، يتكشّف الآن أن البحر الأحمر – الذي لطالما وُصف بممر التجارة – يتجه نحو أن يكون مسرحًا للحرب الباردة القادمة، تديره القوى عبر الأدوات لا بالأساطيل المباشرة.
فمن هم أطراف الصراع؟
ومن يسعى إلى السيطرة على هذا الحوض البحري الذي يربط العالم ببعضه؟
ومن الذي قرر فجأة نقل المعركة إلى سواحل بورتسودان في التوقيت الأخطر؟
الإمارات… الطموح الذي تحوّل إلى اتهام
لأعوام، عملت الإمارات على توسيع نفوذها في البحر الأحمر بهدوء عبر الاستثمار في الموانئ، وتمويل الفاعلين المحليين، وتأمين وجود عسكري محدود. امتدت أياديها إلى ميناء بربرة في الصومال، سواكن في السودان، عدن في اليمن، إريتريا، وحتى إلى المخا وباب المندب.
لكن التحول الأخطر كان حين اتُّهِمت بدعم قوات الدعم السريع في السودان، دعمًا مالياً ولوجستيًا، ضمن رؤية إماراتية تعتبر أن السيطرة على الداخل السوداني تمنحها أفضلية في معركة التحكم بالمنافذ.
محكمة العدل الدولية رفضت النظر في دعوى السودان ضد الإمارات، لكنها لم تبرئها سياسيًا، بل أبقتها في مرمى الاتهام الأممي، حيث قال خبراء الأمم المتحدة إن الاتهامات لها "وجاهة قانونية وتحتاج للتحقيق".
اليوم، يبدو أن نار بورتسودان لم تحرق خزانات الوقود فقط، بل لامست الخط الأحمر الذي رسمته السعودية ومصر: أمن البحر الأحمر ليس لعبة إماراتية خالصة.
إسرائيل… العين التي لا تغمض
إسرائيل، منذ سنوات، تراقب خطوط الإمداد الإيرانية في البحر الأحمر، وترى في هذا الحوض فرصة استراتيجية لتطويق الحوثيين، ورقابة السفن الإيرانية، وتحييد الوجود التركي في الصومال.
كما دعمت، في فترات متفرقة، ميليشيات محلية في إريتريا وجنوب السودان لضمان ممرات آمنة للعمليات الخاصة والمراقبة.
وإن لم تُشَر بأصابع مباشرة إلى حريق بورتسودان، إلا أن منظومة الدرونز المستخدمة في الهجوم تُشبه ما سُجّل سابقًا في نماذج استخدمها وكلاء إسرائيل في إقليم تيغراي وفي ليبيا، ما يعيد طرح السؤال الصامت: هل تلعب إسرائيل دور الضابط غير المرئي لجبهة البحر الأحمر من باب "توازن الرعب"؟
السعودية ومصر… العمودان المتأرجحان
من الناحية الجيوسياسية، تُعتبر مصر والسعودية الدولتين الأكثر تضررًا من انفلات الوضع في البحر الأحمر.
فالقاهرة ترى أن أي اضطراب في بورتسودان قد يفتح أبوابًا لتهريب السلاح، أو يُعرّض قناة السويس للمخاطر، بينما ترى الرياض في الساحل الغربي للسودان خط تماس مع أمنها البحري والاقتصادي، خاصة مع ارتباط البحر الأحمر بمشروع "نيوم"، وممرات النفط، والتجارة مع آسيا.
السعودية دعمت الجيش السوداني علنًا، وقدّمت تسهيلات لوجستية، لكنها حتى الآن لم تتدخل عسكريًا لحسم الموقف، ربما لأنها تنتظر اشتعال الموقف بما يكفي لتبرير الدخول الكامل تحت غطاء "التأمين الملاحي".
أما مصر، فرغم حضورها الأمني الهادئ في الشرق السوداني، فإنها لم تُظهِر بعد قدرة على الإمساك بجبهة البحر الأحمر بمفردها، وتنتظر – على الأرجح – ترتيبات جديدة تضمن لها موطئ قدم دون استنزاف.
تركيا… الحاضر الغائب
تركيا التي نشطت في ملف سواكن قبل سنوات، وأرادت تأسيس قاعدة بحرية، انسحبت بعد الثورة السودانية، لكنها لم تغادر الوعي الاستراتيجي للسودانيين، خاصة مع تحالفها العميق مع الصومال.
ورغم غيابها الظاهري عن المشهد الحالي، إلا أن أي فراغ في الشرق الإفريقي سيُعيد دعوتها للدخول، ربما كـ"موازن" لقوى الخليج، أو كفاعل ضمن ترتيبات دولية تستدعيها للعب دور الوسيط لاحقًا.
الولايات المتحدة… الحاضر المراقب
أميركا لم تكن بعيدة عن الساحل السوداني. وجودها الاستخباراتي في البحر الأحمر نشط منذ سنوات، ومصالحها في بقاء الممر مفتوحًا تمنحها الدافع لإبقاء بورتسودان مستقرة، لا لتركها تحترق.
لكن واشنطن، وفق مبدأها الجديد، تُفضّل أن تدير المعركة من خلف الستار، عبر الضغط السياسي، والتفاهمات الأمنية، و"غض الطرف المرحلي"، ريثما تكتمل ترتيبات إعادة الانتشار البحري في البحر الأحمر وخليج عدن.
البحر الأحمر… إلى أين؟
إذا استمرت هذه المعادلة، فإن البحر الأحمر سيتحوّل خلال السنوات القليلة المقبلة إلى ساحة تقاطع نار باردة ساخنة، فيها:
موانئ تتحوّل إلى قواعد غير معلنة
ممرات بحرية تُخضع السفن للرقابة باسم مكافحة الإرهاب
فواعل غير دولتية تملك سلاح الجو المصغر (المسيّرات)
صراع علني على الشواطئ، وسري في الأعماق
والمقلق أن هذا التصعيد قد يمتد إلى ملفات أخرى: الأمن الغذائي، خطوط الغاز، الهجرة غير الشرعية، وحرب التأشيرات البحرية.
السودان… الدولة الممزقة في قلب الممر
يبقى السودان هو الحلقة الأضعف والأخطر في آنٍ معًا.
فهو من جهة ساحة الصراع، ومن جهة أخرى ورقة في أيدي الآخرين.
وإذا لم تُعد الدولة السودانية ضبط ساحلها الشرقي، فإن بورتسودان قد تتحول إلى بنغازي جديدة على البحر الأحمر، حيث يتقاتل الجميع على بوابتها، وتُدار الدولة من الخارج.
الخلاصة الاستراتيجية:
ما بدأ في بورتسودان ليس مجرد هجوم عابر.
إنه "حرق سياسي" لمنطقة كان يُراد أن تبقى حيادية.
والدخان الذي ارتفع من مستودعاتها، إنما كان إعلانًا لفتح جبهة البحر الأحمر، التي ستغيّر خلال خمس سنوات خارطة النفوذ بين آسيا، الشرق الأوسط، وشرق إفريقيا.
فمن يربح البحر الأحمر… قد لا يحتاج إلى ربح البر لاحقًا.
لأنه سيكون قد سيطر على الشريان الذي يربط العالم ببعضه
الهند وباكستان: صراع الهويات والحدود في قلب آسيا النووية
د. أيمن خالد - رئيس التحرير
5 أيار 2025
حين تتحدث الأمم المتحدة عن “ضبط النفس” بين الهند وباكستان، فالمقصود ليس مجرد تهدئة نزاع سياسي عابر، بل كبح زحف كارثة نووية متخفّية في عباءة القومية. كشمير اليوم ليست مجرد منطقة متنازع عليها، بل الحافة الحادة التي تتقاطع عندها مشاريع الهوية، وخرائط السيطرة، وحسابات الردع الإقليمي. هنا، لا يكفي التحليل العسكري، ولا تكفي المقاربات القانونية. ما يجري بين الهند وباكستان هو "صراع سردي"، يشتبك فيه التاريخ والجغرافيا والدين والسياسة، ويتخذ من الأرض ذريعة، ومن الدم لغة.
الهجوم الأخير في باهالغام أعاد إشعال الخطاب القومي في الهند، بينما أعاد باكستان إلى موضع الدفاع المزدوج: رفض الاتهام ومطالبة العالم بالاعتراف بالمظلومية الكشميرية. غير أن هذا الخطاب المتبادل لم يعد مجرد تبادل اتهامات، بل أصبح أداة تعبئة داخلية لكل نظام يريد تعزيز شرعيته في لحظة اضطراب إقليمي وعالمي. فالهند، بقيادة حكومة قومية هندوسية صلبة، تجد في كشمير رمزًا للسيادة الوطنية غير القابلة للتفاوض. أما باكستان، فترى في كشمير امتدادًا للهوية الإسلامية التاريخية التي لا يجوز التنازل عنها، لا سياسيًا ولا عسكريًا.
التحالفات الدولية المرتبطة بالبلدين تزيد من تعقيد المشهد. فالهند ليست حليفًا صريحًا لواشنطن فقط، بل شريك اقتصادي واستراتيجي ضمن تحالفات مثل الرباعية الأمنية (QUAD)، في مواجهة النفوذ الصيني في آسيا. أما باكستان، فترتبط بعلاقات استراتيجية عميقة مع الصين، وهي شريك في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، الذي يمر من مناطق حساسة مثل بلوشستان وكشمير الباكستانية. وعليه، فإن أي انفجار على الحدود الهندية – الباكستانية لن يبقى ثنائيًا، بل سيصيب منظومة التوازن الإقليمي في العمق، ويضع الصين والولايات المتحدة على حافة اختبار غير معلن.
الخطر الاستراتيجي لا يكمن فقط في امتلاك البلدين للسلاح النووي، بل في غياب خطوط الاتصال الفعالة بين مؤسساتهما العسكرية. فكل حادث حدودي، وكل عملية إرهابية، وكل رد فعل داخلي، يمكن أن يتحوّل إلى مواجهة غير محسوبة إذا ما ارتفعت درجة التوتر فوق عتبة الاستيعاب السياسي. التوازن القائم حاليًا هو توازن هشّ، يقوم على الخوف لا على الاتفاق، وعلى الردع المتبادل لا على الاستقرار الحقيقي. وهذه وصفة خطيرة في نظام دولي يزداد انفلاتًا من القواعد.
الأمم المتحدة بدورها فقدت فعالية الوساطة منذ سنوات، لأن النزاع خرج من إطار القرارات الدولية (مثل القرار 47 لعام 1948) ليدخل في متاهة المصالح والتوظيف السياسي. والبيانات الأخيرة الصادرة عن الأمين العام تعكس انزعاجًا لا يغير شيئًا ميدانيًا، لكنه يشير إلى أن المجتمع الدولي بات يدرك خطورة الصمت أكثر من ذي قبل.
السيناريو الأخطر ليس الحرب التقليدية، بل الانزلاق إلى اشتباك خاطف قد يستخدم فيه أحد الطرفين ورقة "الضربة المحدودة" لتثبيت ردع داخلي أو إقليمي. وفي هذا السياق، فإن أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى مواجهة واسعة، خصوصًا في ظل تحولات التكنولوجيا العسكرية، وتعدد الجهات غير الحكومية التي قد تستثمر الفوضى لتحقيق أجنداتها.
كشمير اليوم تمثّل قلب آسيا النووية، وهي النقطة التي تختبر فيها البشرية قدرتها على التعقّل قبل الانفجار. فهل يمكن للمنطقة أن تعود إلى الحوار؟ وهل تملك القوى الكبرى شجاعة الضغط على الحلفاء قبل أن تتدحرج الكرة؟ أم أن العالم سيظلّ يُراهن على بيانات التهدئة بينما الزمن يقترب من لحظة الحقيقة؟
غزة: ارتكاز استراتيجي يعيد ضبط النظام الدولي
مارية أيمن - باحثة في العلاقات الدولية
5 أيار/مايو 2025
في كل حرب تخوضها إسرائيل ضد قطاع غزة، تبدو وكأنها تتعامل مع مساحة جغرافية صغيرة، لكنها في الحقيقة تتورط في صراع يتجاوز جغرافيا العدو التقليدي. ما يحدث الآن ليس فقط اجتياحًا بريًا محدودًا شمال غزة، بل عملية هندسية دقيقة لإعادة رسم خطوط النفوذ في شرق المتوسط، وإعادة ضبط ارتكاز التوازنات داخل النظام الدولي نفسه. غزة، تلك البقعة المحاصرة منذ أكثر من 17 عامًا، تحوّلت إلى ساحة اختبار نهائي للمكانة الأمريكية، والمشروعية الدولية، ومعادلة الردع الإقليمي.
حين يصدق الاحتلال على توسيع عملياته البرية، ويطلق العنان لسلاح الجو لتدمير الأحياء السكنية، فهو لا يفعل ذلك بمعزل عن السياق الدولي. إنه يعرف أن ميزان التواطؤ الدولي ما زال يعمل لصالحه، وأن عيون العالم مشغولة بتفاعلات روسيا في أوكرانيا، وصعود الصين في شرق آسيا، وتوترات بحر الصين الجنوبي. لكنه أيضًا يعرف أن غزة ليست مجرد مسرح جانبي، بل "نقطة الصدع" التي يمكن أن تفجّر شرخًا في كل سردية غربية عن العدالة، أو تصدّع تحالفًا سياسيًا إذا زادت الضربات عن حد الاحتمال.
المقاومة الفلسطينية بدورها تدرك أنها لا تملك ترف الانتصار بالمعنى العسكري الكلاسيكي، لكنها تملك سلاحًا من نوع مختلف: القدرة على إرباك الرواية الإسرائيلية أمام الكاميرات، وعلى تحدي التفسير الغربي الأحادي للحق والباطل. وهنا يظهر التغيير الجوهري في طبيعة المعركة: إسرائيل تحارب مقاتلين يختبئون بين المدنيين، بينما المقاومة تُقاتل احتلالًا يختبئ خلف تعريفات القانون الدولي التي لم تعد تحمي أحدًا.
التحالف الأمريكي – الإسرائيلي يبدو أكثر التصاقًا من أي وقت مضى، لكنه أيضًا أكثر ارتباكًا. إدارة ترامب الجديدة تُقدّم الغطاء، لكنها تجد نفسها مضطرة لاحتواء التبعات. فكل صاروخ يسقط على مبنى في غزة، يُسقط معه جزءًا من المشروعية الأخلاقية التي تحتاجها الولايات المتحدة لاستمرار زعامتها. وكل شهيد يُنتشل من تحت الأنقاض يفرض تساؤلات على حلف الناتو: هل هناك "دفاع مشروع" يستدعي قتل عشرات الأطفال؟
غزة باتت تمثل خط تماسٍ غير مرئي بين محورين متعارضين: الأول، تقوده إسرائيل ومعها الحليف الأمريكي تحت عنوان "إزالة الخطر"، والثاني، لا تقوده قوة دولية منظمة، بل تقوده مشاهد الدم، وبقايا الأجساد، وأصوات من تبقّى حيًا ليقول لا. وهذا التناقض لا يضعف المنظومة العالمية فقط، بل يهدد بنقل مركز الثقل الأخلاقي في العالم من العواصم الغربية إلى الضمير الشعبي المعولم الذي بدأ يتجاوز الإعلام الرسمي ويصوغ لغته الخاصة عبر الشوارع والشاشات البديلة.
السؤال الذي يطرحه الحدث ليس فقط: هل سينتصر الاحتلال؟ بل: هل سيبقى النظام الدولي على شكله بعد أن يرى غزة تُحترق أمامه؟ هل ستبقى الأمم المتحدة مجرد غرفة إنعاش للقرارات المؤجلة؟ وهل ستبقى واشنطن قادرة على إقناع العالم بأنها قائدة "النظام الحرّ" وهي تشارك في حصار وتجويع شعب بالكامل؟
التحليل الهادئ يقودنا إلى اعتبار غزة اليوم مفتاحًا لاشتباك أكبر. من هنا تُحدَّد مصداقية المحاور، ومن هنا تبدأ الانهيارات الأخلاقية أو النهوضات الفكرية. الاحتلال يريد أن يجعل من اجتياح غزة "نقطة تحوّل ميداني"، لكن العالم قد يجد فيها نقطة تحوّل أخلاقي واستراتيجي، خصوصًا إذا ما تحرّكت الشعوب قبل أن تتحرك الدول.
الهند وباكستان: صراع الهويات والحدود في قلب آسيا النووية
د. أيمن خالد - رئيس التحرير
الس3 مايو 2025
في عمق القارة الآسيوية، وعلى تخوم جبال الهيمالايا، يتمدد أحد أكثر النزاعات استعصاءً في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، ذلك النزاع الذي لم يعد مجرد خلاف حدودي بين دولتين متجاورتين، بل بات صراعًا مركّبًا تتقاطع فيه الهويات الدينية، والهواجس القومية، والرهانات الجيوسياسية، والسلاح النووي.
إنه صراع الهند وباكستان الذي اندلع مع أول لحظة ولادة للدولتين عام 1947، وظل يتغذّى من الجروح المفتوحة التي خلّفها الاستعمار البريطاني، ومن التداخل المعقّد بين الدين والسياسة والأمن، ليصبح اليوم بمثابة الجرح النووي المفتوح في خاصرة آسيا، والذي يُهدد بانفجار إقليمي قد تتداعى له موازين النظام الدولي بأكمله.
ليست كشمير مجرد إقليم متنازع عليه، وليست الحروب الثلاث التي دارت بين نيودلهي وإسلام آباد مجرد اشتباكات تقليدية، بل تمثّل كل نقطة تماس بين البلدين احتمالًا لانزلاق كارثي بين قوتين نوويتين، في منطقة تزخر بالتحديات الإثنية والدينية والمائية، وتحاصرها قوى كبرى لا تنظر إلى الصراع إلا بعيون مصالحها.
ولأن الهويات لا تُبنى على الخرائط فقط، بل تُصاغ بالدماء والرموز والأساطير القومية، فإن كل شبر في كشمير يُقرأ في إسلام آباد باعتباره "جزءًا من الجسد الباكستاني المسلوب"، بينما تُعامل نيودلهي الإقليم كعنوانٍ لوحدة الدولة العلمانية متعددة الأديان التي لا تقبل التفكيك. وبين الرؤيتين، ووسط ضجيج الشعارات، يرزح ملايين الكشميريين في خنادق الاحتلال والتمييز، بانتظار استفتاء موعود لم يأتِ، وعدالة دولية لم تتحقق.
الجذور التاريخية: لحظة التقسيم... لحظة الانفجار
في عام 1947، ومع انسحاب بريطانيا من الهند، رُسمت حدود جديدة لدولتين: الهند وباكستان. كان ذلك التقسيم أشبه ببتر جغرافي واجتماعي وديني، قسّم العائلات، وشرّد ما لا يقل عن خمسة عشر مليونًا (15,000,000) من السكان، وقُتل فيه أكثر من مليون إنسان.
لكن المشكلة الكبرى لم تكن فقط في مأساة النزوح، بل في ترك "ولاية جامو وكشمير" معلّقة بلا حسم: إقليم ذو أغلبية مسلمة، لكن حاكمه هندوسي. ومع اندلاع اضطرابات داخلية، لجأ المهراجا إلى الهند، التي اشترطت توقيع "وثيقة الانضمام"، فتحوّلت كشمير إلى جزء رسمي من الهند، وفق رواية نيودلهي، بينما اعتبرتها باكستان احتلالًا بالقوة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعرف العلاقات الهندية-الباكستانية سوى الحروب والهدنات الهشة. حرب 1947، ثم 1965، ثم 1971، ومعها حرب "كارجيل" المحدودة في 1999، شكلت محطات مواجهة، لم يكن فيها منتصر حقيقي، بل سلسلة من التعادلات المدمرة.
كشمير: عقدة الهوية والمصير
كشمير ليست مجرد أرض... إنها مرآة الهوية لكل من الدولتين.
للهند، تمثّل كشمير نموذجًا لتعددها الديني ورفضها أي انفصال على أساس ديني.
وللباكستان، تمثل كشمير "القطعة الناقصة" من الجسد الإسلامي الذي كان ينبغي أن يُضم إلى الدولة المسلمة الوليدة.
السكان الكشميريون – في شطرهم الهندي – يخضعون لسياسات عسكرية صارمة منذ عقود، ازدادت شدّتها بعد قرار الهند في أغسطس 2019 بإلغاء المادة 370 من الدستور، والتي كانت تمنح كشمير حكمًا ذاتيًا خاصًا.
عزلت الهند الإقليم، أرسلت آلاف الجنود، قطعت الإنترنت، واعتقلت المئات من السياسيين والنشطاء.
أما باكستان، فرأت في هذا القرار إعلان حرب قانوني، لكنها لم تملك سوى الرد السياسي والدبلوماسي، وبعض المناوشات الحدودية.
النووي في قلب الحسابات: رعب متبادل
منذ عام 1998، حين أعلنت كل من الهند وباكستان رسميًا امتلاك السلاح النووي، دخل الصراع مرحلة توازن الرعب.
فالهند تطبق سياسة "الضربة الثانية"، بينما تحتفظ باكستان بعقيدة أكثر عدوانية تُسمى "الردع بالحد الأدنى الفعّال"، وتعني أنها قد تُبادر بالضربة الأولى في حال شعرت بتهديد وجودي.
يُقدّر أن باكستان تمتلك ما بين 160 إلى 170 رأسًا نوويًا، بينما تتراوح ترسانة الهند بين 150 إلى 160 رأسًا، مع فروقات كبيرة في أنظمة الإطلاق، وأنظمة القيادة والسيطرة.
لكن التحدي الأخطر ليس فقط في عدد الرؤوس، بل في غياب الثقة، والتوتر الحدودي الدائم، واستخدام الإعلام القومي المتطرف لتبرير التحشيد العسكري. وكل ذلك يجعل أي حادث حدودي بسيط قابلًا للتصعيد النووي الكارثي.
كشمير في ميزان القانون الدولي: أرضٌ معلّقة، وشعبٌ بلا مصير
كشمير تُعد رسميًا "إقليمًا متنازعًا عليه" بحسب قرارات مجلس الأمن، خصوصًا القرار 47 لسنة 1948، الذي دعا إلى إجراء استفتاء شعبي لتقرير المصير.
لكن الاستفتاء لم يُنفذ، بسبب خلاف حول شروط الانسحاب العسكري للطرفين، وتراخي الإرادة الدولية.
ومن منظور القانون الدولي، فإن:
الهند تُمارس سيادة أحادية غير مكتملة الشرعية.
باكستان تُطالب بحقها في جزء لا تحكمه.
الكشميريون يُحرمون من حقهم الأصيل في تقرير المصير.
وهنا يظهر خلل خطير في تطبيق القانون الدولي، إذ تُعامل كشمير كملف سياسي لا كقضية قانونية عادلة، ويتم تجاهل الحقوق الجماعية لشعب مسلم بأكثريته يعاني من الاحتلال والتمييز.
القوى الكبرى: كيف تتوزع الولاءات؟
في ميزان التحالفات الدولية، تبدو الصورة على الشكل التالي:
الولايات المتحدة: تميل إلى الهند في إطار احتواء الصين، وتُعدّ شريكًا دفاعيًا واستراتيجيًا رئيسيًا لها.
الصين: تُعدّ حليفًا قويًا لباكستان، خاصة في مشروع "الحزام والطريق"، وتدير نزاعًا حدوديًا مع الهند في لاداخ.
روسيا: توازن بين الهند وباكستان، لكنها تميل تقليديًا إلى الهند بسبب الشراكة العسكرية الطويلة.
الخليج العربي: انقسمت مواقفه، حيث تقاربت السعودية والإمارات مع الهند اقتصاديًا، بينما احتفظت قطر وتركيا بعلاقات أعمق مع باكستان.
إسرائيل: أقامت تعاونًا أمنيًا وتكنولوجيًا متقدّمًا مع نيودلهي، خصوصًا في برامج الطائرات المسيّرة والتجسس.
الاقتصاد والردع غير المتماثل
الهند تمثل اليوم قوة اقتصادية صاعدة ضمن مجموعة العشرين، ولديها صناعات عسكرية وتقنية متقدمة. أما باكستان، فتُعاني من ديون، وضعف في البنية الصناعية، واعتماد على المساعدات، لكنها تمتلك جيشًا مدرّبًا وعقيدة قتالية هجومية.
هذا التفاوت يجعل باكستان تعتمد على الردع النووي والدعم الصيني كأدوات موازنة، بينما تراهن الهند على قوتها الاقتصادية والديمغرافية لتغيير الواقع الإقليمي.
سيناريوهات التصعيد والانفراج
السيناريوهات المحتملة تشمل:
صدام عسكري محدود: قد يحدث في كشمير أو عبر الحدود، خصوصًا بعد أي هجوم إرهابي يُتهم فيه طرف ضد الآخر.
تصعيد نووي بالخطأ: في حال سوء تقدير أو حادث غير مقصود، وهو أخطر السيناريوهات.
هدنة دائمة مشروطة: عبر وساطة أمريكية-سعودية أو صينية، تُعطي الكشميريين وضعًا خاصًا دون الاستقلال.
حل استفتائي شامل: عبر قرار أممي، لكنه بعيد المنال سياسيًا في اللحظة الدولية الراهنة.
الخاتمة – رؤية خاصة:
في عالم يزداد فيه التوتر بين القوى الكبرى، ويعلو فيه صوت السلاح على صوت القانون، تظل كشمير أحد أعمدة الخطر الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين.
هذا الإقليم الصغير، المُعلّق بين ثلاث قوى نووية، لا يهدد جنوب آسيا فقط، بل يمكن أن يكون مفجّرًا لحرب عالمية مصغّرة.
لكن بالمقابل، إن أُحسن توظيف أدوات القانون الدولي، ومبادرات التنمية المشتركة، والحوار المباشر تحت مظلة أممية حيّة، فإن كشمير يمكن أن تتحول إلى نموذج للتعايش الإقليمي والتوازن الدولي.
قد تكون الحرب أقرب من السلام، لكن في لحظة ما، حين يدرك اللاعبون أن كشمير ليست ساحة انتصار بل مرآة سقوط جماعي، قد تُفتح نوافذ لمستقبل آخر.
الردع بالتجويع: كيف يُعاد تشكيل النظام العالمي من بوابة القوت؟
د. أيمن خالد - رئيس التحرير
السبت 03/05/2025
الذي يُمسك برغيف الخبز هو ذاته من يُمسك برقبة الأمم.
هذه ليست استعارة، بل عقيدة سياسية باتت تترسّخ في النظام العالمي منذ أواخر القرن العشرين، وتبلغ اليوم ذروتها الدموية في قطاع غزة، حيث أصبح الجوع قرارًا عسكريًا، والطعام تذكرة عبور إلى الحياة المؤقتة.
جريمة التجويع التي تُرتكب الآن في غزة – كما وثّقتها كل مؤسسات الرصد الميداني – ليست فقط كارثة إنسانية طارئة، بل تمثل لحظة كاشفة لانحدار المنظومة الدولية إلى منطق إدارة الحروب بالغذاء بدل السلاح، وبالحصار بدل الإنزال العسكري. ولم تكن غزة أول التجارب، وإن كانت الأعنف. فقد سبقها العراق، حين فُرض عليه حصار اقتصادي بين عامي 1990 و2003، انتهى بموت أكثر من نصف مليون طفل، وفق تقارير موثقة، ودمار شبه شامل في النظام الصحي والتعليمي والبنية الاجتماعية. كانت تلك التجربة نموذجًا أوليًا لكيفية استخدام الغذاء كأداة قتل بطيء، برعاية دولية.
في التجويع لا حاجة لضجيج الطائرات، ولا لبصمات على فوهات البنادق. في التجويع، يموت الناس دون أن يُعلن رسميًا أنهم أعداء، فقط لأنهم ضمن خارطة الضغط، أو ضمن حسابات الردع، أو لأنهم ببساطة لا يملكون مفاتيح اللعبة.
والسؤال الموجع اليوم: ما الذي يدفع هذا العالم إلى هذا الجنون؟ ما الذي يجعل أطفال غزة – كما أطفال العراق سابقًا – مشاريع موت لا تُحرّك الضمير العالمي؟
الجواب ليس إنسانيًا، بل استراتيجيًا. التجويع اليوم ليس حالة عرضية، بل أداة ردع ممنهجة تُستخدم عند تقاطع مسارين:
وجود شعب يقاوم ويرفض الانصياع.
وجود طرف دولي يريد إعادة تشكيل التوازنات دون خسائر عسكرية مباشرة.
غزة اليوم تُعاقب مرتين: مرة لأنها قالت لا، ومرة لأنها نجَت من الإبادة في الجولات السابقة. لم تعد إسرائيل تسعى فقط إلى كسر البنية العسكرية للمقاومة، بل إلى تحطيم البيئة المدنية الداعمة لها. لذلك تم توسيع الحصار ليشمل كل ما يُبقي الإنسان على قيد الحياة: الغذاء، الماء، الكهرباء، الوقود، الحليب، وحتى الهواء في بعض المناطق المحاصَرة التي فُجرت أنفاقها وأسقفها.
ما تفعله إسرائيل الآن هو تحويل القطاع إلى مستودع بشري متحلل، تموت فيه الأجساد دون قذائف، وتنكسر فيه الإرادة الشعبية دون مفاوضات. في المقابل، تقف الولايات المتحدة حارسًا لهذا السيناريو، لا فقط بالصمت، بل عبر الغطاء السياسي الكامل، وتعطيل أي مسار دولي يُفضي إلى محاسبة أو حتى إدانة.
لكن ما الهدف؟ هل هو اجتثاث المقاومة؟ تفريغ غزة؟ إعادة صياغة الوعي الفلسطيني؟ أم أنها مقدمة لتغيير شامل في خارطة الصراع الإقليمي؟
ما يحدث يُشير إلى أن التجويع ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة قذرة لإخضاع شعب لا يُهزم عسكريًا. إسرائيل تسعى لإقناع غزة أن الحياة داخل القبر أهون من الحياة فوق الأرض، وأن المقاومة تعني الموت جوعًا. إنها تريد إقناع الأمهات أن "السكوت" أفضل من دفن الأطفال.
أما في الإطار الأوسع، فإن استخدام التجويع كسياسة رسمية يُحاكي استراتيجية إدارة العالم القادمة: الإبقاء على الشعوب في حالة ضعف وظيفي مستمر، لا يمكّنها من الصمود، ولا يُسقطها تمامًا. سياسة "التطويق البطيء"، مع إبقاء القُوت وسيلة ابتزاز يومية، أشبه ما تكون ببرمجيات السيطرة الخفية التي لا تتطلب جنودًا على الأرض، بل تحكمًا في ممرات الإمداد، وسلاسل الغذاء، ومفاتيح التمويل.
إن ما يحدث في غزة اليوم ليس فقط جريمة حرب، بل نموذج تطبيقي لصيغة السيطرة الحديثة في النظام العالمي، حيث لا تُدار النزاعات بالحسم العسكري، بل بتكسير الروح، والضغط على الأمهات، وإذلال الشيوخ، وتجفيف الحليب من أفواه الرضّع.
وهنا ينهض السؤال الأخطر:
هل هذه الاستراتيجية تُدار من قِبل منظومات الحكم التقليدي؟ أم أن هناك "تنظيمًا خفيًا" من الشركات واللوبيات والمراكز السيادية يملك حق إدارة الجوع عالميًا، ويفرض معايير البقاء على الخريطة من عدمه؟
كل المؤشرات تُشير إلى أن القوة الحقيقية باتت بيد من يُدير حركة السلع، لا حركة الجيوش. من يتحكم بالمعابر، لا بالحدود. ومن يتحكم ببرمجيات الحصار، لا ببيانات السلام. هؤلاء هم "الملكيون الجدد" الذين يديرون الكرة الأرضية من خلف الستار، فيما تُستخدم الأمم المتحدة لإضفاء "شرعية شكلية" على أبشع جرائم العصر.
والمفارقة أن الشعوب، التي يُفترض أن تكون موضوع القانون الدولي، أصبحت هدفه. لا ضمانات، لا حماية، لا عدالة، فقط مذكرات شجب باردة، تُسعّر في بورصة المصالح السياسية.
الخاتمة الاستراتيجية:
العالم يتجه إلى مرحلة ما بعد الحرب التقليدية، حيث سلاح الجوع سيحل محل البندقية، و"الخنق الاقتصادي" سيصبح سلاحًا نوويًا صامتًا. وغزة اليوم هي حقل التجربة الأوضح، ليس فقط في اختبار المقاومة، بل في اختبار مدى صمود الإنسانية أمام فكرة القتل بالجوع.
من يملك مفاتيح الوصول… يحكم العالم
د. أيمن خالد - رئيس التحرير
2 أيار/مايو 2025
في الأزمنة القديمة، كانت الإمبراطوريات تُقاس بما تسيطر عليه من أرض، وبما تُنزل من جيوش. في القرن العشرين، تغيّرت المعادلة، وأصبحت الهيمنة مرتبطة بالقواعد العسكرية، والنفوذ السياسي، والتحكم بالممرات الحيوية. أما اليوم، فالعالم يُعاد ترتيبه على مقياس آخر تمامًا: من يملك مفاتيح الوصول، يملك السيادة. ومن يُمنع منها، ولو امتلك كل الجغرافيا، فهو خارج الخريطة.
ليس الوصول هنا مجرد حركة فيزيائية، بل مفهوم سيادي شامل: الوصول إلى المعلومة، إلى السوق، إلى الطاقة، إلى القرار، إلى الرواية، بل إلى الوعي. من لا يملك هذه المفاتيح، لا يستطيع أن يتحكم في مصيره، ولا أن يُنتج قراره، ولا حتى أن يُشكّل ملامحه أمام ذاته. إنه كائن مفعول به، ينتظر من يفتح له، أو يُغلق عليه.
ولهذا، لم تعد الحروب الكبرى تُخاض بالسلاح، بل تُدار من خلال الممرات التي تسمح أو تمنع. أمريكا لا تمنعك من الوجود، بقدرما تمنعك من الوصول. إلى الدولار، إلى التقنية، إلى الشرعية، إلى السوق. الردع لم يعد تهديدًا بالقتل فقط، بل عزلة مدروسة تُنتج موتًا تدريجيًا في الظلام.
وفي المثال العربي تتجلى معادلة الردع الجديد بكل وضوح: الشعوب العربية لا تُقصف كما يُقصف الفلسطيني، لكنها تُمنع من الوصول؛ إلى أدوات المعرفة، إلى الفعل، إلى السيادة الرقمية، إلى القرار. إنها لا تُعاقَب لأنها واجهت، بل لأنها لم تُمنح أصلًا حق المشاركة. أُبقيت في دائرة الاستهلاك بلا إنتاج، في دائرة الاستجابة بلا تحكّم، في دائرة البثّ بلا صوت. ولهذا، فهي اليوم خارج السيادة، وخارج الزمن، وخارج الملعب الإلكتروني العالمي، تُدار ولا تُقرّر، وتُحدَّد لها أولوياتها من الخارج، ويُمنع عنها الوصول حتى إلى أدوات إدراك ما يجري حولها.
الملك اليوم ليس من يملك الأرض، بل من يملك الخادم السحابي. التاج لا يُحمل على الرأس، بل يُزرع في الخوارزمية. وساحة الحرب ليست الجبهة، بل الشبكة. ومن لا يُطوّر أدواته ليُنتج مفاتيحه، فإنه سيعيش على إذن الآخرين، يأكل بإشارتهم، ويتنفس بموافقتهم، ويموت إن أغلقوا الباب.
الإمبراطورية الجديدة لا تستعمر، بل تُغلق. لا تُهاجم، بل تُدير الوصول. ولهذا، فإن مفهوم "السيادة" يجب أن يُعاد تعريفه من جذوره. السيادة الحقيقية لم تعد في رفع العلم، بل في كتابة الكود. لم تعد في تشكيل الوزارة، بل في التحكم بالبيانات. لم تعد في تحريك الجيش، بل في حيازة البنية التي تُقرر مَن يتحرك أصلًا.
هذه المرحلة ليست انتقالية. إنها نظام ردع شامل جديد، صامت، لكنه قاتل. يُسيّر العالم بأدوات ناعمة المظهر، خشنة المضمون. من لم يفهم أنه ممنوع من الوصول، لن يفهم لماذا تموت شعوبه دون قنابل. ومن لم يطالب بمفاتيحه، لن يملك حتى حق الحلم.
عنوان التحليل: تفكيك النفوذ الإيراني بالهمس لا بالضرب: الجغرافيا السياسية في زمن الدبلوماسية الذكية
07:24:38 – الخميس 24 أبريل 2025
لا تسقط القوى العظمى بضربة، بل تنهار حين لا تجد من يصغي لها. ولا يُفكك النفوذ الصلب بالمدافع، بل يتلاشى حين تذوب شبكة مصالحه في الماء الدافئ للدبلوماسية الذكية. وهذا ما يحدث اليوم مع إيران، لا عبر حرب جديدة، بل من خلال ما يمكن تسميته بـ "هندسة الصمت" التي تقودها العواصم الغربية من بوابات غير متوقعة.
زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى بغداد لم تكن إلا صفحة أولى من رواية جيوسياسية أوسع، تُعاد كتابتها بالحروف الهادئة لا بالبنادق. تلك الزيارة التي بدت عادية من حيث الشكل، كانت من حيث الجوهر جزءًا من حملة ناعمة تستهدف تقليص دور إيران دون صدام، بل عبر إحراجها السياسي، وتحجيم نفوذها في ساحات كانت حتى وقت قريب تُعد امتدادًا مباشرًا لنفوذ طهران.
العراق، بذكاء هادئ، بدأ يخرج من عباءة التبعية لصالح صيغة "السيادة المتوازنة"، لا من خلال إعلان مواجهة، بل من خلال استقبال طرف غربي في قلب الملفات الإقليمية الكبرى: سوريا، إيران، الأمن، التسليح. وبمجرد أن يتحوّل الحديث مع فرنسا إلى حديث عن استقرار سوريا، فإن الرسالة لم تعُد لبغداد، بل لطهران.
في دمشق، المشهد لم يكن أقل بلاغة. الحكومة السورية المؤقتة التي تم الاعتراف بها إقليميًا ودوليًا عقب سقوط نظام الأسد، بدأت تُطهر المشهد الداخلي من الفصائل غير الخاضعة لها، وتحديدًا تلك المدعومة إيرانيًا. ما يحدث في سوريا هو تطهير سياسي ناعم، يبتعد عن الشعارات الكبرى، ويقترب من منطق الدولة التي تقول للعالم: لم نعد بحاجة إلى حراس من خارج حدودنا.
من يتأمل هذا المشهد يكتشف أن الضغط على إيران لا يتم عبر استدعاء المعارك، بل عبر طردها من الجغرافيا بهدوء. وتلك أعلى درجات التفوق الجيوسياسي: أن تُقصي خصمك من دون أن تجرّده من زيه العسكري، بل تجرّده من الحاجة إليه.
إيران التي بنت نفوذها على مزيج من الأيديولوجيا والتمدد المليشياوي، تجد نفسها اليوم أمام خطاب جديد: خطاب السيادة المؤسسية. هذا الخطاب لا يشتبك مع فكر الثورة الإيرانية، بل يتجاوزه إلى منطق مختلف: لا تحتاج الدولة إلى مقاومة لكي توجد، بل تحتاج إلى توازن لكي تُحترم.
وفي هذا السياق، فإن فرنسا لا تتصرف كقوة استعمارية قديمة، بل كحامل رسالة توازن جديد بين الشرق والغرب. ماكرون حين ذهب إلى مصر، ثم أرسل وزير خارجيته إلى بغداد، لم يكن يسعى لفرض هوية، بل للمساهمة في هندسة معادلة يُعاد فيها تشكيل المنطقة بما يُرضي واشنطن، ويُبقي لفرنسا مقعدًا في مسرح النفوذ.
هذا الدور الفرنسي يضع باريس في موقع فريد: شريك في صياغة الصفقات، وناقل موثوق للإشارات السياسية من الغرب إلى الشرق. وهو ما يجعل إيران تدرك أن ما يجري ليس مجرد ضغوط، بل إخراجها من دوائر القرار في مساحات كانت تعتبرها ساحة لها.
التحول الجغرافي السياسي الذي نشهده لا ينطلق من قرارات صاخبة، بل من سياقات ميدانية ناعمة: انفتاح عراقي على الغرب، تحولات في دمشق، وتضييق دبلوماسي منظم. كلها تحركات تُفضي إلى نتيجة واحدة: تفكيك النفوذ الإيراني من الداخل، لا عبر المواجهة، بل عبر نزع الحاجة.
هذا الشكل من التفكيك لا يُرضي الحالمين بالحسم، لكنه يُربك الاستراتيجيات التي بُنيت على وهم الصمود إلى الأبد. إيران تُدرك أنها لم تعد القطب الذي تُدار حوله معادلة الشرق، بل صارت خصمًا يُدار احتواؤه دون عنف.
هنا، تظهر أهمية الجغرافيا السياسية كأداة تفكيك. ليست الأرض فقط من تُحدد النفوذ، بل الخطاب الذي يُقال فوقها، والعلاقات التي تُنسج فيها، والعواصم التي يُسمع منها الصوت ولا يُرى منها التهديد.
في زمن الدبلوماسية الذكية، تنتهي المعركة بلا قصف، وتبدأ الخريطة بالتحول من مجلس صغير في بغداد، أو قرار محسوب في دمشق.
والمسك الختام: من يفهم الجغرافيا… لا يحتاج إلى أن يطلق النار، يكفيه أن يُحسن الإصغاء لهمس الحلفاء… ويقرأ ارتباك الخصوم في صمتهم.
حين تهتز الأرض تحت الدول: الجيولوجيا كمقياس خفي لمعامل القوة
05:38:22 – الأربعاء 23 أبريل 2025
حين تهتز الأرض، لا تُحاسب الجبال ولا تُسائل البحار، بل تُوضع الدول أمام اختبارها الأصعب: هل أدركت موقعها على خريطة الخطر؟ وهل جهّزت شعبها ونظامها وبُنيتها لاحتمال الهزات؟ فالزلازل ليست مفاجآت جيولوجية بقدر ما هي كاشفات سياسية، تهز الجغرافيا فتكشف من يملكها ومن يتداعى فيها.
في عالم تُقاس فيه القوة بعدد الصواريخ والدبابات، تأتي الجيولوجيا لتُذكّرنا أن الدولة التي تفشل في التعامل مع طبيعتها، لن تنجُ من عدو خارجي. الدولة ليست مجرد كيان سياسي فوق أرض، بل نظام حي يتفاعل مع مكونات الأرض. وكل دولة لا تُدير جغرافيتها على أنها كيان حي، فإنها تقف على حافة الانهيار، ولو كانت مستقرة سياسيًا.
الهزة الأرضية لا تقتل أحدًا… إنما القاتل هو غياب التخطيط، ورداءة البنية، وضعف الاستعداد. الكارثة الحقيقية لا تبدأ من الأرض، بل من طاولات الإدارة. فهل نملك في عالمنا العربي والإسلامي "جيوشًا عمرانية" موازية لجيوشنا العسكرية؟ هل لدينا "أركان مدنية" تُفكر كيف تُحارب الفوضى حين تأتي من باطن الأرض؟
الدول حين تواجه الكارثة تتوزع في استجابتها إلى ثلاث نماذج: المنهارة، المترددة، والمستعدة. المنهارة هي تلك التي تتعامل مع كل زلزال كأنه أول زلزال في التاريخ. المترددة تُعدّ الخطط وتؤجلها دائمًا لميزانيات قادمة. أما المستعدة، فهي التي تضع الخطر الجيولوجي في صلب الأمن القومي، وتربط التحصين الجيولوجي بالشرعية السياسية.
تركيا، نموذج يُثير الانتباه. بعد زلزال 2023، الذي ضرب جنوب البلاد، لم تبكِ طويلًا. بدأت في إعادة الإعمار، ووضعت ملف الزلازل ضمن دائرة الأمن القومي. لم يكن الأداء مثاليًا، لكن كان كافيًا لتقليل الضرر في زلزال 2025 الأخير، الذي ضرب إسطنبول بقوة 6.2 ريختر دون أن يُسجّل خسائر تُذكر. الدولة بدأت تتعامل مع الخطر بوصفه تحديًا استراتيجيًا.
التعامل مع الجيولوجيا ليس خيارًا، بل ضرورة. ويجب أن نعيد تعريف القوة على هذا الأساس. فالدولة التي تهمل صلابتها الداخلية لصالح الصراعات الخارجية، هي دولة تؤسس لهزيمتها بيدها. والتحصين البنيوي لا يقل أهمية عن التحصين السيادي.
الحلول تبدأ من الإدماج الجغرافي في القرار السياسي، فالمؤسسات الجيولوجية يجب أن يكون لها دور مباشر في تقييم المشاريع الكبرى، لا أن تكون مجرد جهات استشارية. ويجب أن يُعاد تعريف الأمن القومي ليشمل الصلابة التحتية، بحيث لا تُعتبر البنية التحتية رفاهية، بل جدار صد.
كما يجب إعادة تأهيل المناهج التعليمية لتربية الأجيال على وعي الجغرافيا، وتعليمهم كيف يتعاملون مع الخطر لا أن يهربوا منه. ويجب أن تنتقل مراقبة تحصين الأبنية من البلديات إلى جهة سيادية عليا، لأن الزلزال لا يعرف حدود المدن، بل يُصيب الدولة كلها.
الجيولوجيا تُحاكم أداءنا، وهي لا تنتظر. ومن لا يُدير الأرض التي تحت قدميه، لن يستطيع أن يرفع رأسه في النظام الدولي.
خاتمة: في كل زلزال، تُختبر شرعية الدولة، لا فقط جاهزيتها. والناجي الحقيقي ليس من لم يقع عليه الضرر، بل من بنى وطنه كأن الزلزال سيقع غدًا. فهل آن الأوان أن نُعيد تعريف الدولة؟
غازٌ يسيل في خرائط الإمبراطوريات… والصراع يبدأ من أنبوب
05:41:53 – 22 أبريل 2025
لم تعد الطاقة مجرّد وقود يُحرّك محركات الاقتصاد، بل أصبحت سلاحًا ناعمًا يُعيد ترتيب الولاءات، ويحدّد شكل التحالفات، ويمنح مفاتيح السيادة لمن يمتلك صمّامها الأخير. والغاز الطبيعي، أكثر من النفط، هو العصب الجديد في اللعبة، لأنه قابل للتسييل والتوزيع والمناورة، ويعمل بهدوء… لكنه يُفجّر خرائط بأكملها من دون صوت.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى التحرّكات الخليجية – وخاصة القطرية والإماراتية – تجاه الصين، بمعزل عن الجغرافيا السياسية لأنابيب الغاز في العالم، والتي تتحكم اليوم في جدول أعمال مجلس الأمن أكثر من الملفات العسكرية المباشرة. من شرق المتوسط إلى بحر قزوين، ومن مضيق هرمز إلى موانئ جيهان، ثم صعودًا إلى خطوط "نورد ستريم"، كلها حروب مؤجلة، ومؤامرات مكتومة، لا يُكشف عنها إلا حين ينفجر الأنبوب أو تُخنق السوق.
الولايات المتحدة تعلم هذا جيدًا، ولهذا، فإنها لم تكتفِ يومًا بكونها منتجًا، بل عملت على امتلاك سلاسل القيمة والتحكّم في طرق التوزيع. عندما انسحبت من أفغانستان، لم يكن انسحابًا عشوائيًا، بل إعادة تموضع حول طرق الإمداد، والغاز ليس بعيدًا عن ذلك. بل إن جزءًا من التفكير في خفض الوجود العسكري التقليدي في الشرق الأوسط كان نابعًا من تطوّر أدوات الهيمنة الاقتصادية والطاقة البديلة.
لكن اللعبة تعقّدت. دخول الصين عبر "مبادرة الحزام والطريق" واندماجها في سوق الطاقة جعل الولايات المتحدة تعيد رسم استراتيجيات السيطرة. لم تعد قادرة على حظر الغاز الروسي دون أن تُقدّم البديل، ولم تعد قادرة على معاقبة الخليج دون أن تُخلي الساحة للصين.
وهنا، تظهر قطر كمركز رئيسي للتحكم بأسعار الغاز المسال، والإمارات كعقدة لوجستية للاستثمار في البنية التحتية الطاقوية شرقًا. لم يعد الخليج مجرد مُصدّر، بل صانع توازن. هذا الدور يجعل من هذه الدول طرفًا أصيلاً في الصراع بين واشنطن وبكين، حتى وإن بدت واجهتها مستقلة.
وفي سوريا والعراق، تظهر الحرب على خطوط الطاقة بشكل فجّ. فإيران كانت تسعى منذ أكثر من عقد لتمرير خط غاز إيراني عبر العراق وسوريا إلى المتوسط، وهو ما تم تعطيله مرارًا إما عبر الحروب، أو عبر الضغط الأميركي. لم يكن سقوط نظام الأسد مجرّد نهاية دموية لعهد طائفي، بل إنهى مشروعًا طاقويًا ضخمًا كان سيمنح طهران شريان حياة مباشر إلى أوروبا.
اليوم، تخرج إيران من اللعبة الطاقوية السورية، ويدخل لاعبون آخرون: تركيا، بأدواتها المتقدمة في أنظمة نقل الغاز والكهرباء، وبقربها من أوروبا، مستعدة لتكون البديل. والخليج، بمخزوناته ومرونته الدبلوماسية، يتحرك كوسيط طاقوي لا يُستهان به. وأمريكا، من الخلف، تراقب وتضبط. أما روسيا، فتُسحب تدريجيًا من المشهد، لا بالضربات، بل بالاستنزاف البطيء والخروج القهري.
الصراع هنا لم يعد على خط أنابيب واحد، بل على "الحق في ترسيم خطوط الطاقة". من يُرسم الخط باسمه، يصبح شريكًا في القرار العالمي، ومن يُحرم من الخط، يُحرم من الدور.
ولذلك، فإن أيّ تقارب بين الخليج والصين لا يُقرأ اقتصاديًا فقط، بل استراتيجيًا. الصين تريد ضمان إمدادات طويلة الأمد دون المرور بأيدي أمريكية، والخليج يريد هامش سيادة أوسع. أما أمريكا، فتعرف أن ما لا تستطيع السيطرة عليه بالقواعد العسكرية، قد تتمكن من ضبطه عبر العقود والاتفاقيات العابرة للقارات.
الختمة الفكرية – منصة التحليل الإخباري:
الغاز هو السلاح الأبيض في معركة العالم القادمة، لا يُلوّح به… لكنه يُغرز في الخرائط ببطء.
والأنابيب التي تُمدّ في الصحراء، ليست مجرد بنية تحتية، بل أنياب تُزرع لتحديد من يعضّ… ومن يُلدغ.
إنها حرب صامتة بين عقول الليل، حيث يكتب المفاوضون مستقبل الدول، على ورق يبدو ناعمًا… لكنه مفخخ بالمصالح.
حين يتمنّع الشرق الأوسط… وتشتبك الجغرافيا مع الغواية الدولية
14:38:46 – 21 أبريل 2025
لم تعد الكلمة الأخيرة في الشرق الأوسط تُقال في البيت الأبيض، ولا تُطبع في موسكو، ولا تُهندس في طهران. بات المشهد أكثر تعقيدًا من أن يُدار من عاصمة واحدة، وأكثر تمردًا من أن ينصاع لمرجعية ثابتة. والسبب: الجغرافيا لم تعد صامتة، والقرار الإقليمي صار يملك حنجرته الخاصة.
الشرق الأوسط – من بغداد إلى الرياض، ومن أنقرة إلى دمشق – يُعيد هندسة علاقته بالعالم. ليس لأن النظام الدولي تغيّر فجأة، بل لأن شعوب هذه المنطقة ودولها بدأت تُدرك أن الجغرافيا ليست عبئًا كما صوّرها المستعمر… بل ورقة قوة لمن يُجيد لعبها.
في العراق، كانت اتفاقية النفط مع الهند تعبيرًا عن التحوّل من دور "المُستقبل" إلى "المُصدّر" للفرص. الهند، القوة الآسيوية الطامحة، لم تأتِ لتأخذ نفطًا فحسب، بل جاءت لتُقايض بغداد على مساحة حُرّة وسط زحام واشنطن وطهران. إنها لحظة جيوسياسية بامتياز: النفط يتحول من سلعة إلى أداة سيادية.
وفي سوريا، لم يكن قطع العلاقات مع إيران شأنًا اقتصاديًا فقط، بل تجليًا لاستعادة القرار الوطني بعد سنوات من الوصاية المُقنعة. دمشق الجديدة لا تتشكل على أنقاض القصر الرئاسي فقط، بل على ركام المعسكرات الإيرانية والمقار الروسية التي انسحبت بصمت. الجغرافيا هنا تعود إلى أهلها، ولو بعد احتلال ناعم.
أما تركيا، فإنها تُثبت يومًا بعد يوم أن من يملك الممرات، يملك أوراق التفاوض. اتفاق الدرونات مع أوكرانيا ليس مجرد تعاون تقني، بل هو رسم خط طيران سياسي يربط أنقرة بكييف، ويفتح المجال لمكانة تركية كـ"صانع توازن" داخل الصراع الأوروبي الروسي. الجغرافيا التركية لم تعد عبورًا بين قارّتين، بل جسرًا للقرار السيادي في المنطقة.
في الخليج، تُجسّد السعودية فلسفة "التموضع الذكي". مشروع الهيدروجين الأخضر ليس ناتج رغبة بيئية فحسب، بل بيان سياسي أخلاقي يقدمه الخليج للعالم: نحن لسنا فقط خزّان طاقة، بل مختبر توازنات. أن تجمع بين أمريكا والصين في مشروع واحد، فهذه ليست براعة اقتصادية… بل شهادة حُسن إدارة في الجغرافيا السياسية.
الصورة الكاملة تقول: الشرق الأوسط لم يعد مجرد مساحة نفوذ، بل أصبح "قوة سحب". القوى الكبرى تأتيه اليوم من مواقع الندّية، لا من مرتبة الوصاية. وما نراه الآن هو انزياح حقيقي في فهم "من يُسيطر على من".
لم تعد واشنطن تملك حق الإملاء، بل تمارس الإغواء. ولم تعد طهران تُرعب العواصم، بل تُراسلها خوفًا من العزلة. وحتى موسكو، خرجت من معادلة الإملاء وبقيت في هامش المناورة.
من يملك الجغرافيا أصبح يملك حق الشراكة… بشرط أن يملك قراره.
والقرار اليوم لا يُصنع في المجالس السيادية فقط، بل في غرف الاستراتيجية التي تفهم أن الخريطة السياسية تُرسم بالأنابيب، بالمعابر، بالدرونات، وبالهيدروجين الأخضر أيضًا.
🔍 الختمة الفكرية – منصة التحليل الإخباري:
لم يعد الشرق الأوسط يبحث عن منقذ، بل يُعيد اكتشاف نفسه كمحور.
من يفهم الجغرافيا، ويُحسن توظيف الثروات، ويرفض الارتهان، هو من سيملك زمام المراحل المقبلة. أما من بقي في أسر الماضي، فسيجد نفسه في الهامش… يُستخدم دون أن يُؤثّر.
خطوط التجارة تتكلم… هل ترسم الأنابيب مستقبل العلاقة بين بغداد ودمشق؟
منصة التحليل الإخباري – رؤية خاصة
17:02:44 – 18 أبريل 2025
منذ أن دخل العالم مرحلة إعادة تشكيل مسارات الطاقة والتجارة بعد جائحة كورونا وحرب أوكرانيا، أصبحت الأنابيب وخطوط النقل شبيهة بخنادق الحرب الباردة، لا يُستهان بأي منها، لأنها ببساطة صارت تسحب القرار السياسي خلفها. وفي الشرق الأوسط، لم تكن الجغرافيا يومًا كيانًا ساكنًا، بل كانت دومًا تتحول بحسب السيادة والسيولة الاقتصادية.
العراق وسوريا، في ظل التبدلات المتسارعة بعد سقوط النظام السوري القديم، يجدان نفسيهما أمام لحظة مفصلية. إذ تتقاطع فيهما خطوط الغاز والكهرباء والنفط والسكك الحديدية، من الخليج وحتى تركيا وأوروبا، ومن إيران حتى المتوسط. وهذه اللحظة لا تتعلق فقط بإحياء العلاقات الثنائية، بل بإعادة بناء المنصة الجغرافية التي يتقاطع عندها الشرق بالغرب.
خريطة الأنابيب الحالية التي كانت تمر من إيران إلى سوريا عبر العراق، في طريقها إلى الزوال. الهيمنة الإيرانية تراجعت ليس فقط بسبب الضغوط الدولية، بل بسبب عجزها المالي والعسكري عن تأمين الحماية الجيوسياسية للمسارات الحيوية. أما روسيا، التي ظلت الداعم العسكري والسياسي لدمشق، فتواجه الآن مرحلة انكماش استراتيجي نتيجة حرب أوكرانيا والعقوبات التي أضعفت قبضتها على شرق المتوسط.
في المقابل، يُسجل دخول لافت للقوى الخليجية، بقيادة السعودية والإمارات، ضمن مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار الطاقوي في سوريا، وهو ما يفتح الباب أمام أنابيب جديدة، لا تمر من طهران، بل من البصرة والدمام والدوحة، باتجاه الأراضي السورية، ومنها إلى البحر المتوسط أو أوروبا.
لكن هذا التحول لا يتم بمعزل عن تركيا، التي أظهرت منذ سنوات قدرة فائقة على إدارة شبكة معقدة من خطوط الأنابيب العابرة للحدود. فأنقرة لا تنظر إلى سوريا فقط كمجال أمني، بل أيضًا كممر اقتصادي. وإذا ما تم تثبيت اتفاقيات الطاقة بين العراق وتركيا وسوريا، فإن شمال شرق سوريا قد يتحول إلى منصة لوجستية جديدة تتحكم في إمدادات الغاز نحو أوروبا.
الولايات المتحدة، التي بدأت تستعيد بعض أوراقها في الملف السوري، تدرك أن خطوط التجارة أكثر فاعلية من القواعد العسكرية. لذا نراها تُشجع ضمنيًا على مشاريع الربط الثلاثي، وتُمهّد لدخول شركاتها في البنية التحتية بمجرد استقرار الوضع السياسي. وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد الدور الأمريكي بصيغة غير تقليدية، عبر السيطرة على عنق الزجاجة الطاقوي بدلًا من القواعد العسكرية التقليدية.
أما أوروبا، فتنظر إلى سوريا والعراق باعتبارهما جزءًا من مستقبلها الطاقوي البديل عن روسيا. ولذلك فإن دعمها السياسي لأي حكومة جديدة في دمشق، أو تشجيعها لمزيد من الانفتاح على العراق، يتصل أساسًا بملف الأنابيب وممرات التجارة.
في هذا السياق، تصبح العلاقة بين بغداد ودمشق أكثر من مجرد تنسيق سياسي. إنها علاقة ممرّات ومصالح عابرة للحدود، تتجاوز فكرة التحالفات التقليدية. فحين تُبنى المصالح على قاعدة تدفق مستدام للثروة، لا تعود العلاقة خاضعة لهوَس الأيديولوجيا أو ضغط المحاور.
لكن المعضلة الكبرى تبقى في سؤال السيادة. فهل تستطيع الحكومتان، العراقية والسورية الجديدة، ضبط الفاعلين غير الدوليين الذين اعتادوا التحكم في تلك المسارات؟ وهل يمكن ترسيم الجغرافيا مرة أخرى بما يضمن أمن الأنابيب لا أمن المليشيات؟
إن الأنابيب في هذا العصر، لم تعد مجرد أدوات نقل، بل أدوات تفاوض وحدود ناعمة تحدد موقع الدولة في النظام العالمي. وبالنسبة للعراق وسوريا، فإن النجاح في رسم شبكة المصالح الجديدة، سيُحدد ما إذا كانا سيبقيان أطرافًا مستهلكة للأحداث، أم يتحولان إلى عقدة عبور حقيقية في قلب الصراع الدولي الجديد.
الأنابيب لا تمر فقط تحت الأرض… بل تمر أيضًا عبر القرار السيادي، والاستعداد للدخول في اقتصاد ما بعد الحرب لا كضحايا، بل كمُنتجين لمساراته.
الجغرافيا تتآكل من أطرافها… فمن يملك مفاتيح الحدود الجديدة؟
منصة التحليل الإخباري – رؤية خاصة
00:07:10 – 18 أبريل 2025
ما عادت الخرائط تقول ما كنا نعتقده، ولا الحدود تعبّر عمّا يُقال في المؤتمرات والبيانات، بل بات كل شريط حدودي قابلاً لإعادة التشكيل على يد من يملك أدوات العبور، لا من يملك خرائط التفاوض. الجغرافيا، تلك التي طالما اعتُبرت "ثابتة"، تُهشَّم اليوم من أطرافها، وتُعاد هندستها لا بأدوات الحرب فقط، بل بأدوات أهدأ… شركات، ممرات، قواعد لوجستية، أنابيب، كابلات بحرية، وحتى مسارات طائرات مسيّرة.
في سوريا، لم تُعدّل الحرب فقط شكل السلطة، بل غيّرت منطق الجغرافيا كلها. الحدود بين تركيا وسوريا لم تعد هي ذاتها، ولا بين سوريا والعراق. فالتدخلات العابرة للحدود أوجدت مناطق نفوذ لا تُرسم على الورق، بل تُدار على الأرض. وكل نقطة تماس تحوّلت إلى مساحة تجاذب أكثر من كونها خطًا فاصلًا. الروس انسحبوا من دون إعلان، والأمريكيون ما زالوا يملكون "حضورًا قابلًا للتوسّع"، والإيرانيون يتراجعون ولكنهم ما زالوا يحتفظون ببعض المنافذ. وفي الشمال، تركيا لا تسيطر فقط، بل تُعيد تعريف العلاقة بين السيادة والتأمين الإقليمي.
أما في أوكرانيا، فالجغرافيا لم تتآكل فقط… بل تفجّرت. مساحات كانت تُعتبر محايدة تحوّلت إلى ساحة تنازع عالمي، لا على الأرض نفسها، بل على "وظيفة الأرض". المدن المدمرة ليست فارغة من السكان فقط، بل من التبعية السياسية. ومنطقة البحر الأسود لم تعد ممرًا تجاريًا، بل ساحة صراع لوجستي مغلّف بالبُعد العسكري–النفسي. من يبني مصنعًا في كييف اليوم يُكتب له حق التمركز لعقود، لا لأنه يملك الشرعية، بل لأنه أعاد تعريف الفاعلية داخل الجغرافيا المفككة.
في القوقاز، ومعركة ناغورنو كاراباخ لم تكن سوى الواجهة لمشروع أعمق: من يستطيع أن يُثبت قدميه على طريق الحرير البديل؟
الجغرافيا هنا أصبحت نقطة اختبار لقدرة الدول على البقاء في المعادلة، لا على البقاء داخل الحدود. فبين أذربيجان وأرمينيا وتركيا وإيران وروسيا، لم يعد السؤال: "من يملك الأرض؟" بل: "من يستطيع أن يمرّ من خلالها دون أن يُستوقف؟"
القرن الإفريقي يُعدُّ اليوم أحد أكثر المساحات هشاشة وعمقًا في هذا التحوّل. فبين إثيوبيا والسودان والصومال، تتحرّك القوى الكبرى لا لإقامة قواعد عسكرية وحسب، بل لإنشاء معابر بديلة، ومرافئ تحت الهيمنة، وأنظمة تبادل لا تخضع لرقابة المركز. وهنا لم تعد الخريطة تُقرأ من العاصمة، بل من الميناء.
والممرات البحرية – من باب المندب إلى قناة السويس، ومن مضيق هرمز إلى مضيق البوسفور – لم تعد خطوطًا محايدة. بل صارت أدوات خنق أو تحرر، تُستخدم أحيانًا كورقة تفاوض، وأحيانًا كصفعة استراتيجية. من يتحكم بمضيق اليوم، لا يُحاصر العدو فقط… بل يُعيد ضبط إيقاع التجارة العالمية كلها. ولهذا تحوّلت كل نقطة ضيقة في الماء إلى بوابة لتوسيع النفوذ في اليابسة.
في ظل هذا كله، لا تكفي الجيوش، ولا تكفي الصفقات. من يملك مفاتيح الجغرافيا الجديدة هو من يملك قدرة تحويل الموقع إلى وظيفة. الوظيفة الأمنية، أو الطاقوية، أو التجارية، أو المعلوماتية. ومن لا يستطيع أن يُعيد تعريف ما تعنيه أرضه… فهو لا يملكها فعليًا، حتى وإن رُفعت عليها أعلامٌ، وتُليت فيها خطابات النصر.
وهكذا تتحول الدولة الحديثة إلى كيان يجب أن يُبرّر وجوده لا فقط بالتاريخ أو الشرعية، بل بالفعالية. من لا يربط نفسه بشبكة لوجستية، أو بمنظومة طاقة، أو بخط معرفة، يصبح مجرد "فراغ سيادي" جاهز للملء من طرفٍ أقوى، أو أذكى.
الخريطة إذًا لم تعد تسأل عن الحدود، بل تسأل عن من يُدير "الممر".
وهذا هو جوهر التحوّل الجيوسياسي: الدولة لم تعد مساحة جغرافية فقط، بل مشروع وظيفي محكوم بعدد النقاط التي تمر عبره، وليس بعدد الدبابات التي تقف على أطرافه.
الختمة الفكرية – منصة التحليل الإخباري:
ما نراه اليوم ليس مجرد تحوّل في شكل الصراع، بل تحوّل في وظيفة الأرض نفسها.
والجغرافيا التي تتآكل من أطرافها لا تحتاج إلى من يُدافع عنها فقط،
بل إلى من يُعيد هندستها…
من الداخل، وبالوظيفة، لا بالشعار.
النفط كأداة سيادية في النظام العالمي: العراق مثالًا
منصة التحليل الإخباري – رؤية خاصة
16 أبريل 2025
تمهيد: حين يتحوّل البرميل إلى منصة قرار
في نظام عالمي لم يعد يرحم الركود ولا يعترف بالحياد، بات النفط يتجاوز كونه مجرد سلعة استراتيجية إلى أن يتحول إلى أداة سيادية يُعاد من خلالها تعريف القوة، وتُرسم بها خرائط النفوذ. فالتحكم بإنتاج النفط، تصديره، وتوجيهه لم يعد قرارًا اقتصاديًا فقط، بل هو فعلٌ سياسي، يُضاهي قرارات السيادة الوطنية ويوازيها في التأثير. وبين الدول التي تمتلك الاحتياطيات الكبرى، تبرز العراق كحالة نموذجية تتصارع فيها ثلاثة مستويات من الفاعلية: الإرادة الوطنية، التدخل الإقليمي، واشتراطات النظام العالمي.
العراق ليس مجرد مصدر مهم للطاقة، بل هو عقدة جيواستراتيجية تقع في قلب خارطة التوازن النفطي بين الخليج وآسيا وأوروبا. فكل أنبوب نفط، وكل ميناء تصدير، وكل اتفاق تقني أو شراكة استثمارية، يخفي وراءه توازنات أكبر من السوق، ويعكس مدى قدرة الدولة العراقية على استخدام نفطها كذراع للسيادة لا كمصدر للإيرادات فقط.
في هذا السياق، يُعد مشروع الأنبوب البحري الثالث الذي أعلنت عنه وزارة النفط العراقية خطوة ليست فقط في إطار توسعة البنية التحتية، بل مؤشرًا على نية العراق استعادة قراره الطاقوي من قبضة الأزمات المتلاحقة، وتأكيدًا على أن بغداد تسعى لتثبيت نفسها كفاعل مستقل داخل سوق الطاقة العالمية. المشروع، الذي يُنفذ بشراكة مع شركات إيطالية وتركية، يعكس توجها نحو تنويع الشراكات، وتجاوز الاعتمادية الأحادية سواء من حيث الشركاء أو المنافذ التصديرية.
لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يستطيع العراق أن يتحكم فعلًا بورقة نفطه؟ أم أنه سيبقى يراوح بين قوى الضغط الجيوسياسي التي تُعيد توزيع أدواره؟
منذ الغزو الأمريكي عام 2003، بقي النفط العراقي ساحة صراع معلنة وخفية بين الولايات المتحدة، إيران، وشركات الطاقة العالمية. وبينما استطاعت بغداد، على مدى السنوات، ترميم جزء من بنيتها التحتية النفطية، إلا أن السيطرة الفعلية على إدارة ملف النفط – من التراخيص إلى التصدير – ظلّ مرهونًا بالموازنات الإقليمية ومناخ التوافق الدولي.
التحولات الإقليمية بعد العام 2024 أوجدت فرصة غير مسبوقة للعراق لإعادة ضبط بوصلته الطاقوية، مستفيدًا من تراجع النفوذ الإيراني في الداخل، ومن المتغيرات الطارئة على العلاقة مع تركيا ودول الخليج، إضافة إلى الانفتاح على شراكات آسيوية جديدة، خاصة مع الهند والصين. كل هذه التطورات جعلت من ملف النفط أداة سياسية مرنة، يُمكن استخدامها في صياغة خطاب جديد للسيادة العراقية.
في المنظور الاستراتيجي، لا يُقاس النفط فقط بكمية البراميل المُنتجة، بل بطبيعة شبكات التصدير، وقدرة الدولة على تأمينها، وتوجيهها لخدمة مصالحها بعيدًا عن الضغوط. لذلك فإن البنية التحتية للنفط ليست مجرد مسألة هندسية، بل خريطة أمن قومي تُدار بمستوى عالٍ من التنسيق بين الدفاع والاقتصاد والسياسة الخارجية. وكل أنبوب نفط في العراق هو رسالة، وكل منصة تصدير هي تعبير عن اتجاه جديد.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة مشروع الأنبوب البحري الثالث بوصفه إعلانًا عن بداية تحوّل في فلسفة إدارة الثروة الطاقوية العراقية، بحيث لا تعود خاضعة فقط لطلب السوق، بل تصبح موجهة وفق اعتبارات الأمن الوطني الشامل.
ولعل التحدي الأكبر هنا، ليس فقط في تنفيذ المشاريع، بل في حمايتها من التشظيات السياسية الداخلية والتجاذبات الإقليمية. فبنية القرار العراقي لا تزال تعاني من هشاشة الانقسام الحزبي، وتضارب الأولويات بين الجهات التنفيذية، وهو ما يضع مشروع السيادة الطاقوية في مرمى النيران السياسية أكثر من مرمى التحديات التقنية.
لكن على الرغم من ذلك، فإن العراق يمتلك اليوم فرصة لإعادة بناء دوره كدولة نفطية ذات بعد سيادي، بشرط أن يُدار الملف الطاقوي ضمن رؤية استراتيجية لا تختزل النفط في خانة الإيراد، بل ترفعه إلى مستوى الأداة الجيوسياسية. عندها فقط يمكن القول إن بغداد عادت إلى لعب دورها التاريخي، ليس كمزود طاقة، بل كفاعل في معادلة توازنات العالم.
لقد تحوّل النفط في العقود الأخيرة من مادة قابلة للتداول إلى أداة لإعادة هندسة العلاقات بين الدول، وتحديد مواقع النفوذ والضعف. وما يحدث في الخليج، وفي شرق المتوسط، وفي كازاخستان ونيجيريا وفنزويلا، وفي كل مكان تُستخرج فيه الطاقة، هو صورة أخرى لصراع أكبر يُدار بالنفط، ويُحسم أحيانًا بأنابيبه.
وفي هذا الصراع، إذا لم يكن العراق لاعبًا على الطاولة، فسيُستخدم كورقة فيها. وهنا يكمن جوهر التحدي الذي يواجه صانع القرار العراقي: أن يُعيد تعريف موقع بلده من كونه مجرد مورد إلى كونه مصدر قرار.
رؤية خاصة – منصة التحليل الإخباري:
النفط ليس كنزًا تحت الأرض فحسب، بل هو شكلٌ من أشكال السيادة فوق الأرض.
وحين تُحسن الدولة استخدامه، فإنها لا تُصدر طاقة فقط… بل تُصدر إرادة.
والعراق، إن أراد أن يكون سيدًا في زمن التوازنات المتحركة، فعليه أن يُمسك بأنابيبه كما يُمسك بدستوره.
لأن الأنبوب… قد يكون أكثر تأثيرًا من البندقية، وأعمق من الشعارات.
من بعد أوكرانيا إلى ما بعد سوريا: هل انتهى عصر الجغرافيا المغلقة؟
د. أيمن خالد
أستاذ الإعلام والقانون الدولي
من كان يظن أن الخرائط تُرسم بالحبر، قد فاتته دروس الحرب. ومن ظن أن الجغرافيا قدرٌ لا يتغيّر، فقد جاءه الزمن يُصفّق للجغرافيا الجديدة… لا تلك المرسومة في الكتب، بل تلك التي تُرسم بالحركة والدم والهدنة المؤقتة.
من أوكرانيا حيث تمزّقت خطوط الثبات الأولى، إلى سوريا حيث انكشفت آخر الخدع الجغرافية… كان المشهد يقول شيئًا واحدًا: الخريطة لم تعد مقدسة، بل مطاطة، مفاوضة، مشروطة بالحضور لا بالتوقيع.
أوكرانيا لم تكن غزوًا روسيًا فقط، بل كانت بداية تفكك العقد الصامت بين الدول الكبرى على بقاء الحدود كـ"إرث لا يُمسّ". روسيا جرّبت خرق النظام من الخاصرة الشرقية لأوروبا، فجاءها الردّ بتحالف جديد لا يملك أسماؤه الرسمية… بل يملك مضمونه: أن السيادة من دون دفاع مشترك ليست سيادة، وأن الحدود من دون حلفاء هي أوهام مرسومة بالطباشير.
لكن الحكاية لم تنتهِ هناك. كانت أوكرانيا التجربة، أما سوريا فهي النتيجة. سقط النظام، ولم تسقط البلاد. هرب الأسد، لكن بقيت البلاد مفتوحة على أسئلة أكبر من صورته، وبدأ صراع النفوذ لا على الأرض، بل على معنى الأرض.
إيران لم تخرج من سوريا، بل طُردت… طُردت بهدوء، بلا معارك علنية، لأن أدواتها أُحرقت واحدةً تلو الأخرى: من دمشق إلى درعا، من الجنوب إلى مراكز القرار. سقطت شبكاتها لا بفعل ضربة، بل بفعل ما يُسمّى في الاستراتيجية: الاختناق الصامت. المال جفّ، الولاء تبعثر، والحاضنة الشعبية التي أُرهقت من حروب الوكالة لم تعد تؤمن بالمظلّة الإيرانية، لا دينيًا ولا سياسيًا.
أما حزب الله… فكان صدى الماضي في شتاء الحاضر. الضاحية التي كانت تُلوّح بالرد، باتت تكتب بيانات نعيٍ يومية لقادتها دون أن تملك القدرة على الرد. انتهى زمن "الردع من لبنان"، وسقط القناع الأخير حين اشتعلت غزة وسقطت حماس، فأدرك الجميع أن "محور المقاومة" لم يكن مقاومة، بل مقاومةً للانكشاف.
روسيا أيضًا لم تعد موجودة، لا بالمعنى الثقيل للوجود. هي هناك… نعم، لكن على هامش خريطة تتسع للآخرين، تُدير ما تبقى من قواعد، وتراقب المسرح الذي خرجت منه شخصياتها المركزية. أوكرانيا شغلتها، وسوريا تجاوزتها.
وهنا… وسط هذه العتمة الاستراتيجية، تُطل تركيا. ليست بالمدججة بالسلاح ولا بالشعارات، لكنها الدولة الوحيدة التي أمسكت بخيوط اللعبة بينما الآخرون يتصارعون على عناوينها. من أستانة إلى أنطاليا، من تفاهمات مع موسكو إلى رسائل دافئة لواشنطن، من شمال سوريا إلى عمق شرقها، تركيا لا تسأل: “كم أملك؟” بل تسأل: “أين أقف؟ ومن حولي؟ وماذا أستطيع أن أغيّر بصمتي لا بصوتي؟”
تركيا لم تُشارك في الكرنفال الإعلامي للتهديدات، لكنها كانت تُوقّع على الخرائط الميدانية، وتُجري هندسة الحدود بواقعيات سياسية، لا انفعالات. وها هي اليوم في منتدى أنطاليا… لا تحاور من أجل الشكل، بل تعيد تعريف الأدوار. في حضور الرئيس السوري الجديد، وفي توازنات تعود لصالح من يعرف كيف يربط الدبلوماسية بالأمن القومي.
وفي الخلف، تقف الولايات المتحدة، لكنها لم تعد حَكمًا مطلقًا، بل منتجًا للنظام نفسه. ما تفعله واشنطن الآن ليس إعادة إنتاج عالم جديد، بل تجديد هيمنتها بشكل جديد. هي لا تفرض النظام… بل تكتب مسودّاته وتعرضها على من يناسبهم الدور. فمن يُجاريها؟ تُبقيه. ومن يتعنّت؟ تُقصيه دون ضجيج.
تركيا لم تقبل أن تكون تابعة، فأصبحت شريكة. لم ترفع رأسها بالخطاب، بل أثبتت جدارتها بالفعل. فأُدمجت في المشهد الجديد كمن يرسم، لا كمن ينتظر الرسومات.
وهكذا… تنقلب الجغرافيا من فكرة مُغلقة إلى فكرة تُعاد صياغتها في كل قاعة مفاوضات. لم تعد الحدود مقدسة… بل النفوذ هو المقدس الجديد. لم يعد السؤال: “أين تبدأ دولتي؟” بل: “أين ينتهي تأثيري؟”
استشراف وتوصيات:
· لا مجال بعد اليوم للتعامل مع الخرائط كخطوط أحادية المعنى.
· الدول التي تريد البقاء… عليها أن تُتقن فهم النفوذ لا امتلاك الأرض.
· الجغرافيا ليست قدرًا… بل أداة تُعاد صناعتها كل يوم.
· الحضور الهادئ، والاستراتيجية المركبة، هما الطريق الحقيقي لتثبيت الدور.
· مَن لم يعدل فكره بعد ما بعد سوريا… فلن يُدرك شيئًا مما بعد ذلك.