رئيس التحرير:
في هذه الصفحة، نفتح أرشيف الإنسانية أمام ميزان العدالة، حيث يُعرض تاريخ الجرائم الكبرى، وتُفكك بنود القانون الجنائي الدولي بكل دقة. هنا تتقاطع ملفات جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة، وجريمة العدوان مع الجهد القضائي الدولي الهادف إلى ردع القتلة وإنصاف الضحايا.
نرصد في هذه المساحة تطورات المحكمة الجنائية الدولية، وقرارات المحاكم الخاصة، ومسارات التحقيق في الجرائم العابرة للحدود، ونقدم تحليلات قانونية واستراتيجية لمدى فاعلية المنظومة الجنائية الدولية في مواجهة القوة والهيمنة.
حين تُقتل العدالة مرتين: استهداف الصحفيين في غزة بين الرصاصة والصمت
د. أيمن خالد - رئيس التحرير
الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2025
لا يشكّل استهداف الصحفيين في زمن الحرب مجرد انتهاك فردي لحق الحياة، بل يُجسّد جريمة مركّبة تُصيب الحقيقة في مقتل، وتُعطّل واحدة من أقدم آليات العدالة: الشهادة الحرة. في غزة، لم يكن سقوط الصحفيين نتيجة خطأ عرضي أو نيران جانبية كما تدّعي بعض الجيوش، بل أضحى جزءًا من استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إسكات الراوي، وطمس السردية، وحرمان الضحية من صوتها.
منذ اشتداد الحرب، سقط ما يقرب من مئتي صحفي ومراسِل ومصور، معظمهم فلسطينيون محليون يعملون في ظروف ميدانية قاسية، بستر صحفية وأحيانًا بدونها، لكنهم جميعًا كانوا يحملون رسالة واحدة: أن يُرى ما يجري على الأرض كما هو، دون تجميل أو تزوير أو إسكات. كان أنس الشريف مثالًا بارزًا، قُتل في محيط مستشفى الشفاء في خيمة إعلامية يعرف الجميع أنها خالية من أي تهديد عسكري. ليس لأنه كان يحمل سلاحًا، بل لأنه كان يحمل كاميرا.
القانون الدولي واضح وصارم. اتفاقيات جنيف والبروتوكولات المرفقة تنص صراحة على اعتبار الصحفيين المدنيين في مناطق النزاع أشخاصًا محميين، شريطة ألا يشاركوا مباشرة في العمليات القتالية. الحماية لا تسقط لمجرد أن الصحفي ينتمي لوسيلة إعلام ذات خط سياسي معيّن، ولا لمجرد أن الدولة المستهدِفة ترفض روايته. رغم ذلك، تُسارع إسرائيل في كل مرة إلى تبرير استهداف الصحفيين بادّعاءات جاهزة: "علاقات مع منظمات مسلحة"، "استخدام المواقع لتغطية أعمال عسكرية"، "احتمال الانتماء". مزيج من التبرير السياسي والأمني والأخلاقي، يستخدم كذريعة لشرعنة ما لا يُشرعن.
في مستشفى ناصر في خان يونس، قُتل خمسة صحفيين دفعة واحدة في غارة مزدوجة، الأولى أوقعت المصابين، والثانية أصابت من جاء لينقل الصورة. هكذا يتضاعف القتل: يُقتل الجريح، ثم من يسعفه، ثم من يوثّق موته. الصحفي هنا ليس شاهدًا على الحدث فقط، بل يصبح جزءًا من سلسلة الضحايا، وربما يكون أكثرهم استهدافًا، لأنه يمتلك مفاتيح السرد.
لماذا يُستهدف الصحفي بهذا الشكل؟ لأن الرواية قوة. لأن الصورة التي تفضح أكثر فاعلية من بيان يُنشر في قاعة الأمم المتحدة. لأن العدالة لا تتحرك إلا حين تُنقل المأساة إلى الشارع والرأي العام والضمير الإنساني. ومن هنا، تُصبح الجريمة ضد الصحفي ليست فقط ضد شخص، بل ضد نظام العدالة ذاته. إنها محاولة لمنع تشكيل ملف قانوني دولي، أو تعطيل توثيق ممنهج يمكن أن يُستخدم لاحقًا أمام محكمة جنائية دولية أو في تحقيق دولي مستقل.
ما يزيد الأمر خطورة أن هذا الاستهداف لم يؤدِ فقط إلى سقوط شهداء الإعلام، بل خلق مناخًا من الخوف الذاتي، والرقابة الداخلية، والتردد في التغطية. هناك صحفيون محاصرون في غزة لا يملكون الكهرباء ولا الإنترنت ولا المعدات، بل حتى لا يملكون الثقة في أن روايتهم ستُصدق، أو أن صورهم ستُنشر، أو أن صوتهم سيصل دون تشويه. هكذا تتحول الكارثة إلى صمت. وهكذا يُكمل القتل مهمته.
الإفلات من العقاب هو الوجه الآخر للجريمة. عدد التحقيقات المستقلة في استهداف الصحفيين لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ومعظمها أُغلق دون نتيجة. هناك منظمات دولية كهيومن رايتس ووتش، ولجنة حماية الصحفيين، ومكتب حقوق الإنسان الأممي، تصرخ في وجه العالم، وتطالب بتحقيقات شفافة، لكن البنية السياسية للنظام الدولي، وحق النقض في مجلس الأمن، والعلاقات الخاصة بين بعض الأطراف، تجعل هذه الصرخات تتبدد في الهواء.
وإذا بقي الحال كما هو، فإننا لا نخسر الصحفيين فقط، بل نخسر معهم أدوات الإثبات، نخسر الرواية، نخسر الأمل في محاسبة مجرم، أو في إنصاف شهيد. العدالة الدولية تقوم على الأدلة، والصورة، والشهادة، وإذا غابت هذه كلها بفعل الرعب أو الترهيب أو الحجب، فإننا لا نعيش في عالم بلا عدالة فقط، بل في عالم يُشرعن الجريمة، ويكافئ الجلاد، ويُدين من يُوثّق المذبحة.
العدالة ليست جهاز محكمة فقط، بل منظومة تبدأ من الصحفي وتنتهي بالقاضي. حين يُكسر الصحفي في بداية السلسلة، تُشل العدالة في نهايتها. وإذا لم تتوقف هذه الاستباحة الممنهجة لأرواح الإعلاميين في مناطق النزاع، فإننا نتجه نحو عصر جديد من "جرائم بلا وثيقة"، ومجازر بلا أرشيف، وضحايا بلا ذاكرة.
منظمة الأمم المتحدة دعت مؤخرًا إلى ضمانات دولية لحماية الصحفيين في غزة، وطالبت بوقف فوري للقتل الصامت. لكن لا يكفي أن ندين. يجب أن نُجبر المحكمة الجنائية الدولية على فتح تحقيقات فعلية. يجب أن تتعاون وسائل الإعلام العالمية في تشكيل لجنة تحقيق مستقلة. يجب أن يُحوّل كل فيديو وكل شهادة وكل دمعة إلى مادة إثبات في ملف قانوني ضد من أمر، ومن نفّذ، ومن حاول تبرير.
الصمت الإعلامي ليس فقط نتيجة الرصاص، بل نتيجة الفشل في ترجمة المأساة إلى لغة قانونية، ومن ثم إلى قرار سياسي. وهذه مسؤوليتنا، نحن المعنيون بالعدالة، أن لا نترك الحبر يجفّ على جثة صحفي، وأن لا نسمح بأن تكون الحقيقة أول الضحايا وآخر من يُبكى عليه.
وقف إطلاق النار أم وعود بلا تنفيذ؟
فريق الإعداد
الخميس 18 أيلول / سبتمبر 2025
منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش المدنيون في غزة وضعًا إنسانيًا صعبًا تفاقم مع مرور الزمن. الخبر الجديد عن تصويت مجلس الأمن اليوم يكشف عن تضاعف الانتهاكات: ليس فقط القتل، بل التجويع، وحرمان السكان من المساعدات، والتهجير القسري، وانعدام الأمان الصحي والتعليم.
الانتهاكات وتداعياتها
القتل العشوائي: تستمر الغارات العسكرية التي تطال المدنيين، بما في ذلك النساء والأطفال، إضافة إلى المباني المدنية.
التجويع المتعمد: حصر حركة المساعدات الإنسانية، منع وصول الأدوية والمياه والكهرباء في بعض المناطق يجعل من التجويع سلاحًا حربياً.
التهجير القسري: آلاف السكان أجبروا على النزوح داخل القطاع أو خارجه، بفعل القصف أو انعدام الخدمات الأساسية.
الإفلات من العقاب: لا توجد آليات قوية حتى الآن لمحاسبة الأطراف التي تُرتكب انتهاكات، رغم دعوات محكمة العدل الدولية والمنظمات الحقوقية.
عن مشروع القرار
مشروع القرار الذي تم التصويت عليه اليوم يحاول معالجة هذه الانتهاكات من خلال:
الدعوة إلى وقف النار الفوري غير المشروط.
إزالة المعوقات أمام توصيل المساعدات الإنسانية، بما في ذلك فتح المعابر ورفع القيود اللوجستية.
الإفراج عن المحتجزين من غير القتلة أو المقاتلين، خصوصًا من المدنيين.
التحديات أمام التنفيذ
فيتو متكرر من الولايات المتحدة في قضايا مماثلة.
نقص قدرة المجتمع الدولي على فرض العقوبات أو عقاب من ينتهك الحقوق إذا كان من الحلفاء الاستراتيجيين.
ضعف البنى التحتية في غزة يجعل أي قرار وقف نار أو إرسال مساعدات مقصورًا إن لم يكن هناك ضمانات على الأرض.
غياب التمثيل القضائي المحلي القوي والآليات الدولية المُفعّلة.
ما قد يحدث الآن
إذا نجح القرار في الحصول على أغلبية مطلقة رغم الفيتو الأميركي، فقد يُمارَس ضغوط دولية كبيرة على الأطراف المعنية لتنفيذ شروطه.
ممكن أن يشكل هذا التصويت نقطة ارتكاز لمنظمات حقوق الإنسان لتوثيق الانتهاكات وطلب تدخلات أممية جديدة.
لكن التنفيذ سيكون مرهونًا بالقوة السياسية للمراقبة الدولية، وكذلك استعداد المجتمع الدولي للتدخل في أزمة إنسانية تتصاعد إلى ما هو أبعد من مجرد تصويت.
منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش المدنيون في غزة وضعًا إنسانيًا صعبًا تفاقم مع مرور الزمن. الخبر الجديد عن تصويت مجلس الأمن اليوم يكشف عن تضاعف الانتهاكات: ليس فقط القتل، بل التجويع، وحرمان السكان من المساعدات، والتهجير القسري، وانعدام الأمان الصحي والتعليم.
الانتهاكات وتداعياتها
القتل العشوائي: تستمر الغارات العسكرية التي تطال المدنيين، بما في ذلك النساء والأطفال، إضافة إلى المباني المدنية.
التجويع المتعمد: حصر حركة المساعدات الإنسانية، منع وصول الأدوية والمياه والكهرباء في بعض المناطق يجعل من التجويع سلاحًا حربياً.
التهجير القسري: آلاف السكان أجبروا على النزوح داخل القطاع أو خارجه، بفعل القصف أو انعدام الخدمات الأساسية.
الإفلات من العقاب: لا توجد آليات قوية حتى الآن لمحاسبة الأطراف التي تُرتكب انتهاكات، رغم دعوات محكمة العدل الدولية والمنظمات الحقوقية.
عن مشروع القرار
مشروع القرار الذي تم التصويت عليه اليوم يحاول معالجة هذه الانتهاكات من خلال:
الدعوة إلى وقف النار الفوري غير المشروط.
إزالة المعوقات أمام توصيل المساعدات الإنسانية، بما في ذلك فتح المعابر ورفع القيود اللوجستية.
الإفراج عن المحتجزين من غير القتلة أو المقاتلين، خصوصًا من المدنيين.
التحديات أمام التنفيذ
فيتو متكرر من الولايات المتحدة في قضايا مماثلة.
نقص قدرة المجتمع الدولي على فرض العقوبات أو عقاب من ينتهك الحقوق إذا كان من الحلفاء الاستراتيجيين.
ضعف البنى التحتية في غزة يجعل أي قرار وقف نار أو إرسال مساعدات مقصورًا إن لم يكن هناك ضمانات على الأرض.
غياب التمثيل القضائي المحلي القوي والآليات الدولية المُفعّلة.
ما قد يحدث الآن
إذا نجح القرار في الحصول على أغلبية مطلقة رغم الفيتو الأميركي، فقد يُمارَس ضغوط دولية كبيرة على الأطراف المعنية لتنفيذ شروطه.
ممكن أن يشكل هذا التصويت نقطة ارتكاز لمنظمات حقوق الإنسان لتوثيق الانتهاكات وطلب تدخلات أممية جديدة.
لكن التنفيذ سيكون مرهونًا بالقوة السياسية للمراقبة الدولية، وكذلك استعداد المجتمع الدولي للتدخل في أزمة إنسانية تتصاعد إلى ما هو أبعد من مجرد تصويت.
العدالة الانتقائية في القانون الجنائي الدولي: محاكم تُدين ومجتمعات تُخذل
د. أيمن خالد - متخصص في القانون الدولي
4 مايو 2025
تُشكّل العدالة الجنائية الدولية إحدى الركائز التي سعت البشرية إلى ترسيخها بعد الحرب العالمية الثانية، حين فُتحت ملفات المحاسبة في نورمبرغ وطوكيو، لتعلن أن القانون الدولي لن يتسامح بعد اليوم مع الجرائم التي تمس ضمير الإنسانية. غير أن ما بدا لحظة تأسيسية للعدالة العالمية تحوّل، عبر عقود، إلى منظومة متشابكة تتخللها الكثير من المفارقات، وعلى رأسها العدالة الانتقائية، التي تكاد تطيح بشرعية المنظومة برمتها، وتكشف هشاشة التوازن بين القانون والسياسة في الساحة الدولية.
العدالة الانتقائية ليست مجرد وصف أخلاقي، بل هي توصيف قانوني لحالة يصبح فيها القانون أداة انتقائية لا تُطبّق إلا على بعض الحالات، وفق اعتبارات لا ترتبط بالوقائع الجرمية أو المعايير القانونية، وإنما بحسابات الجغرافيا السياسية، وموازين القوى، وواقع العلاقات بين الدول. وفي ضوء هذا، بات من المشروع طرح السؤال الذي يشغل الأكاديميين والضحايا على السواء: هل العدالة الجنائية الدولية تحاكم الجرائم، أم تحاكم من تسمح السياسة بمحاكمته؟
إن تحليل مفهوم العدالة الانتقائية يقتضي العودة إلى المبادئ الأساسية التي نصت عليها صكوك القانون الدولي، وعلى رأسها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف. فالمحكمة الجنائية الدولية، بوصفها المؤسسة القضائية الأعلى في ميدان محاكمة الجرائم الدولية، أُسّست لتكون مستقلة، غير خاضعة لأي ضغط سياسي، وتسير وفق معايير مهنية واضحة. لكنها على أرض الواقع تواجه تحديًا هيكليًا يتمثل في أن صلاحية تحريك الدعوى، جزئيًا، مرهونة بإحالة من مجلس الأمن، الذي يخضع لسلطة الدول دائمة العضوية وحق النقض (الفيتو)، ما يمنح البُعد السياسي سطوة تُهدد جوهر العدالة.
ومن بين أبرز التجارب التي عكست تعقيدات تطبيق العدالة الجنائية الدولية، تأتي تجربة المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة. فقد قامت هذه المحكمة، التي أنشأها مجلس الأمن عام 1993 بموجب القرار 827، بمحاكمة متهمين من جميع الأطراف المتنازعة في الحروب اليوغوسلافية، بما في ذلك مسؤولون سياسيون وعسكريون من صربيا، وكرواتيا، والبوسنة. ورغم ذلك، واجهت المحكمة انتقادات تتعلق بتفاوت عدد المحاكمات وأحكام الإدانة بين الأطراف، وبتأثير البُعد السياسي في تحديد الأولويات القضائية. إلا أن سجلها يُظهر التزامًا نسبيًا بملاحقة الجرائم الدولية بموجب القانون الدولي الإنساني، دون أن ينفي ذلك الحاجة إلى تقييم دائم لمعيارية الاجتهاد القضائي وتوازناته.
تكرر هذا النمط، بشكل أكثر تعقيدًا، في المحكمة الخاصة برواندا، التي تم إنشاؤها عقب الإبادة الجماعية عام 1994. فقد اقتصر نطاق المحاكمات عمليًا على الجناة المنتمين لحكومة "الهوتو"، بينما لم تُلاحق المحكمة بشكل فعّال الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبتها "الجبهة الوطنية الرواندية"، التي أصبحت فيما بعد السلطة الحاكمة. وبدلاً من تقديم صورة جامعة للعدالة، أُغلقت ملفات ضخمة، مما جعل المحكمة عرضة للاتهام بأنها دعمت طرفًا على حساب آخر، ما أضعف مصداقية مشروع المحاسبة في عيون الروانديين أنفسهم.
أما المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، فقد شهدت منذ تأسيسها في عام 2002 وحتى اليوم، توجّهًا واضحًا نحو ملاحقة القادة والفاعلين في إفريقيا دون غيرهم، الأمر الذي دفع الاتحاد الإفريقي إلى انتقادها بشدة، واتهامها بإعادة إنتاج العلاقات الاستعمارية بصيغة قانونية. وقد أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق قادة من السودان، أوغندا، جمهورية إفريقيا الوسطى، كينيا، وليبيا، بينما لم تتخذ مواقف قضائية حاسمة تجاه النزاعات في فلسطين أو العراق أو ميانمار، رغم وجود تقارير مفصلة ووثائق قانونية تكشف عن ارتكاب جرائم محتملة ضد الإنسانية وجرائم حرب.
هذا التفاوت في التعامل لا يمكن فصله عن البنية السياسية للنظام الدولي. فالمادة (13) من نظام روما تتيح لمجلس الأمن إحالة قضايا إلى المحكمة أو تجميدها. وعندما يكون أحد أطراف النزاع عضوًا دائمًا في المجلس أو حليفًا له، فإن مبدأ المحاسبة يتحول إلى مسألة تفاوض، لا مسألة عدالة. هذا الواقع أدى إلى شلل المحكمة في ملفات تمس الولايات المتحدة، روسيا، إسرائيل، والصين، حتى في القضايا التي تتوفر فيها كل شروط الاختصاص والولاية القضائية.
نتيجة لذلك، يتعرض النظام القضائي الدولي لاهتزاز عميق في شرعيته. فحين يشعر الضحايا في بعض مناطق العالم أن العدالة الدولية تحضر بقوة إذا كان الجاني إفريقيًا أو من دولة غير متحالفة مع القوى الكبرى، وتغيب أو تتهرب إذا كان الجاني من دول "النظام المهيمن"، فإن مفهوم العدالة ذاته يصبح موضع شك، ويُختزل في كونه أداة ضغط سياسي لا أكثر. وحين تصبح العدالة انتقائية، تفقد طبيعتها الأخلاقية، وتتحول إلى آلية سياسية ملبسة بالشرعية القانونية.
أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إصلاحات عميقة في بنية العدالة الدولية. أولى هذه الإصلاحات هي فك ارتباط المحكمة الجنائية الدولية بمجلس الأمن كشرط لتحريك بعض القضايا، وإيجاد آلية مستقلة للإحالة ترتكز على لجنة قانونية دولية محايدة تُقيّم القضايا دون تدخل سياسي. كما يجب توسيع نطاق الاختصاص العالمي للمحاكم الوطنية، بحيث تستطيع أي دولة محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية الكبرى، بصرف النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية الجاني، كما فعلت إسبانيا في ملفات تعذيب ارتكبها مسؤولون لاتينيون في تسعينيات القرن الماضي.
إلى جانب ذلك، من الضروري تمكين المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية الدولية من لعب دور مباشر في تحريك الملفات، ومتابعة تنفيذ القرارات القضائية، بما يعزز الرقابة الشعبية على مؤسسات العدالة، ويُخرجها من النخبوية السياسية إلى الفضاء العمومي للعدالة.
ورغم ما سبق من تحليل نقدي، فإن عددًا من الخبراء القانونيين الدوليين يُدافعون عن أداء المحكمة الجنائية الدولية، ويعتبرون أن ما يُنظر إليه بوصفه "عدالة انتقائية" هو في حقيقته انعكاس للقيود القانونية التي يفرضها نظام روما الأساسي، لا انحيازًا إراديًا أو توظيفًا سياسيًا.
فالولايات القضائية للمحكمة محددة بدقة: فهي لا تملك الاختصاص على مواطني الدول غير المصادقة، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، إلا بإحالة صادرة من مجلس الأمن الدولي. كما أن العديد من القضايا التي تم فتحها بحق قادة في إفريقيا، جاءت بطلب من حكومات هذه الدول نفسها، أو نتيجة تعاون وثيق بينها وبين مكتب الادعاء.
ويشير هؤلاء إلى أن المحكمة سعت بالفعل إلى فتح ملفات حساسة، مثل الجرائم في أفغانستان، لكن اصطدمت بضغوط سياسية وتهديدات فرضتها قوى كبرى – كما حصل عندما فرضت إدارة ترامب عقوبات على المدعية العامة فاتو بنسودا. كما فتحت المحكمة تحقيقًا رسميًا في جرائم محتملة بالأراضي الفلسطينية منذ عام 2021، رغم معارضة علنية من أطراف دولية وازنة.
وفي ضوء ذلك، يرى هذا الاتجاه الحقوقي أن غياب القضايا ضد بعض القوى الدولية لا يعود إلى تحيز في المحكمة، بل إلى ضعف البنية القانونية والسياسية للنظام الدولي نفسه، الأمر الذي يستدعي إصلاحًا هيكليًا شاملًا لمنح المحكمة استقلالًا أكبر، وولاية شاملة فعلية، لا نقدها بوصفها كيانًا انتقائيًا.
في نهاية المطاف، لا قيمة لمنظومة قانونية دولية لا تنبع من مبدأ المساواة أمام القانون، ولا تضمن لجميع الشعوب والأفراد الحق في المحاسبة العادلة. إن غياب العدالة الشاملة لا يعني فقط انعدام الإنصاف، بل يعني أيضًا فتح المجال لثقافة الانتقام، وتكريس منطق القوة بدلًا من قوة المنطق. وإذا كانت العدالة الدولية قائمة على رمزية المحاكمات لما تمثله من رادع أخلاقي وسياسي، فإن انكشاف هذه المحاكم أمام شبهة الانتقائية يهدد المشروع بأكمله، ويستدعي مراجعة جذرية قبل أن يتحول إلى عبء أخلاقي، لا إلى منارة للضمير الإنساني.
الاعتراف الدولي بالحكومات الجديدة: هل التعامل يصنع الشرعية؟
د. أيمن خالد – كاتب ومحلل سياسي وقانوني دولي
التاريخ: 9 ديسمبر 2025
تابعت خلال الأسابيع الماضية، كما تابع كثير من المعنيين بالتحولات السياسية، جدلًا واسعًا احتدم بين نخب فكرية وأكاديمية وسياسية حول السؤال الأزلي المتجدد: كيف تُصنع شرعية الحكومات بعد الثورات والتغييرات الراديكالية؟ وهل يكفي أن تسيطر حكومة على الأرض وأن تحوز دعم شعبها، لكي تُصبح شرعية في نظر العالم؟ أم أن الاعتراف الدولي شرط جوهري لإضفاء تلك الصفة؟ وهل الاعتراف لا يُحسب إلا حين يصدر بيان رسمي من عاصمة مؤثرة أو منظمة دولية؟ أم أن مجرد التعامل السياسي–الدبلوماسي، ولو بغير تصريح، يُعدّ كافيًا من منظور القانون الدولي المعاصر لإنتاج الأثر؟
في إحدى حلقات النقاش، برز النموذج السوري الجديد، كنموذج حي يختصر الأسئلة كلّها. فقد جلست الحكومة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، إلى طاولة قمة عالية المستوى عُقدت في الرياض، بمشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعدد من القادة العرب والدوليين. وظهر في المشهد ما يُشبه الإقرار الواقعي بوجود هذه السلطة الجديدة. لكن دون أن يصدر حتى الآن اعتراف رسمي من الأمم المتحدة أو قرار دولي جامع، ما فتح باب الجدل من جديد حول القيمة القانونية لمثل هذا النوع من "الاحتكاك الدولي"، ومدى كونه اعترافًا ضمنيًا فعليًا، أو مجرد سلوك مؤقت لا يُنتج شرعية كاملة. هنا يتقاطع القانون بالسياسة، ويبدأ الاشتباك الحقيقي بين الواقعي والشرعي.
في القانون الدولي، لا يكفي أن تسيطر حكومة على الأرض لتُعدّ ممثلًا شرعيًا للدولة، وإن كانت هذه السيطرة عنصرًا أساسيًا في بناء الاعتراف. فالمبدأ القانوني الثابت منذ اتفاقية مونتيفيديو لعام 1933، يُفرّق بوضوح بين "الدولة" بوصفها كيانًا قانونيًا، و"الحكومة" بوصفها سلطة تنفيذية قابلة للتغيير. الدول لا تموت بسقوط الأنظمة، لكنها تحتاج إلى من يُمثّلها، ويملأ كرسيها في المجتمع الدولي. ومن هنا يأتي مفهوم الاعتراف الدولي بالحكومات، وهو ليس عملًا إداريًا، بل فعلٌ سيادي تُمارسه الدول والمنظمات بحسب مصالحها وقواعدها السياسية والقانونية.
الاعتراف ليس بيانًا... بل شبكة تفاعلات حقيقية
ينقسم الاعتراف الدولي إلى أشكال متعددة، منها ما هو صريح، يُعلن في بيان رسمي صادر عن وزارة خارجية أو رئيس دولة، ومنها ما هو ضمني، يظهر في صورة لقاء، توقيع اتفاقية، فتح سفارة، أو تبادل رسائل دبلوماسية. وقد يكون الاعتراف جماعيًا أو مؤسسيًا، كما يحدث حين تُمنح الحكومة الجديدة مقعدًا في الأمم المتحدة أو في منظمة إقليمية، فيصبح الاعتراف متعدد الأطراف وله طابع دولي شامل. وفي المقابل، ثمة نوع من "الاعتراف المسكوت عنه"، حيث لا تُصدر الدول بيانات تأييد، لكنها تتصرف مع الحكومة الجديدة بوصفها الأمر الواقع، وهو ما يُعرف بالاعتراف الواقعي أو الاعتراف الكاشف.
هنا نحتاج إلى التمييز القانوني بين الاعتراف الكاشف والاعتراف المنشئ. الاعتراف الكاشف هو الذي يأتي ليُقرّ بواقع سياسي قائم، فتكون الحكومة الجديدة قد فرضت سلطتها ومارست وظائف الدولة كاملة، ولم يبق أمام العالم إلا التعامل معها بوصفها الحاكم الفعلي. أما الاعتراف المنشئ، فهو الذي يُؤسس للشرعية من الخارج، كما يحدث في حالات الكيانات الجديدة أو الحكومات التي لم تبسط بعدُ سيطرتها الكاملة.
شرعية الحكومة الجديدة بين الواقعية السياسية والتمثيل القانوني
في الحالة السورية الجديدة، تبدو الصورة أقرب إلى الاعتراف الكاشف، لا لأن الدول الكبرى قالت ذلك صراحة، بل لأنها جلست مع القيادة الجديدة، وتعاملت معها في ملفات تتطلب اعترافًا ضمنيًا بالسيادة والصلاحية. لكن الاعتراف، وإن كان سياسيًا في صورته الأولى، إلا أن له أثرًا قانونيًا مباشرًا. فبمجرد أن تبدأ الدول بالتعامل مع الحكومة الجديدة في الملفات الدولية، تصبح هذه الأخيرة قادرة على توقيع المعاهدات، الانضمام إلى الاتفاقيات، تمثيل الدولة في المؤتمرات الدولية، وهو ما يُنتج أثرًا قانونيًا فعليًا. فالتعامل السياسي لا يبقى مجرد سلوك، بل يُصبح –بمرور الوقت وتكرار الفعل– سندًا قانونيًا يُبنى عليه التزامات دولية ويُحتج به أمام المحاكم والهيئات الدولية.
ومن الأخطاء الشائعة في تحليل مسألة الاعتراف، اعتقاد البعض أن لا اعتراف إلا بقرار صادر عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة. في الحقيقة، الأمم المتحدة لا تصدر عادة قرارات "اعتراف"، بل تُطبق النتائج الواقعية لما تنتجه الدول من مواقف. فعندما تُرسل أغلبية الدول مندوبيها إلى حكومة جديدة، وتقبل التعامل معها، ويبدأ المجتمع الدولي بالتفاعل معها سياسيًا وقانونيًا، فإن الأمم المتحدة تجد نفسها أمام أمر واقع يُحتّم عليها ترتيب الآثار القانونية والتمثيلية، سواء بالاعتراف بوفد جديد أو بتحديث سجلات التمثيل الرسمي.
التاريخ الحديث يزخر بأمثلة توضح مرونة الاعتراف. اعترفت الولايات المتحدة بالصين الشعبية عام 1979، بعد سنوات من التعامل الواقعي مع حكومة تايوان، التي كانت حتى ذلك الحين تمثل الصين في الأمم المتحدة. واعترفت الأمم المتحدة بفلسطين كدولة مراقبة، رغم أنها لم تكن تملك السيادة الكاملة على أراضيها. وتجلس حكومات أمر واقع في أفريقيا وأميركا اللاتينية في مؤتمرات دولية رغم أن عددًا من الدول لا يعترف بها رسميًا، لكنها تتعامل معها لضرورات الجغرافيا والسياسة.
وفي النموذج السوري الراهن، فإن جلوس ممثلي الحكومة الجديدة إلى طاولة القمة في الرياض، وتوقيعهم على تفاهمات سياسية–اقتصادية، ولقائهم مع شخصيات دولية رفيعة، يُعدّ بلا أدنى شك شكلًا من أشكال الاعتراف الواقعي، حتى لو لم يُعلَن في بيان رسمي. هذا النوع من الاعتراف أكثر شيوعًا في العقود الأخيرة، إذ لم تعد الدول تتحمس كثيرًا لإصدار بيانات اعتراف، لكنها تُفضّل أن تُبقي اعترافها في دائرة الفعل لا القول، لاعتبارات تتعلق بالتحفظ السياسي، أو الانتظار الاستراتيجي، أو حتى الهروب من التزامات قد تُرتّبها الصيغة القانونية الكاملة.
الشرعية الدولية ليست مطلقة… بل تتشكل بتوازنات وكتل وازنة
ويجب هنا أن نفرّق بين "الاعتراف من طرف واحد" و"الاعتراف متعدد الأطراف". الاعتراف من دولة واحدة لا يصنع شرعية دولية مكتملة، لكنه بداية. أما الاعتراف من كتلة حرجة من الدول، وخاصة القوى الكبرى والمنظمات الدولية، فهو ما يُنتج ما يُعرف بالشرعية المركّبة. وإذا انضمت هذه الحكومة الجديدة إلى اتفاق دولي، أو وُقّع معها بروتوكول أممي، أو تم قبولها في منظمة إقليمية، فإن الاعتراف يكون قد اكتمل من الناحية القانونية والوظيفية، حتى إن بقي البعض خارج الإجماع.
المعنى الأعمق هنا أن الاعتراف ليس قرارًا يُكتب في وثيقة ثم يُنشر في الجريدة الرسمية. بل هو مسار، يتراكم، ويتبلور، ويتحول مع الوقت إلى قاعدة مستقرة. فالصورة التي تُلتقط في قمة دولية، توقيع الاتفاقية الأولى، تسلم أول مذكرة من سفارة، حضور أول لقاء مع قوة دولية، كل هذه ليست تفاصيل شكلية، بل أفعال تأسيسية تصنع في النهاية ما يُسمى بشرعية الدولة الحديثة. وهذه الشرعية لا يُمنحها أحد من الخارج، بل تُنتزع بالتراكم الذكي للسلوك السياسي والقانوني.
وسوريا الجديدة، مثلها مثل أي دولة خرجت من مخاض طويل، لا تحتاج إلى أن تتوسل اعتراف الآخرين، بل أن تواصل إدارة المرحلة بالسيادة الكاملة، والحنكة السياسية، والانفتاح المنضبط. الشرعية لا تأتي بالتمني، ولا بالخطاب الثوري، بل بتكامل الأداء، ووضوح الهوية السياسية، والتصرف بوصفها دولة لا تيارًا.
لقد تغيّرت قواعد اللعبة في العلاقات الدولية. لم يعد الاعتراف يُعطى ببيانات، بل يُنتج بالسلوك. لم يعد العالم ينتظر أن يُقرّ بشرعية حكومة، بل يتعامل معها وفق ميزان القوة والمصلحة، ثم يُقرّ بها إذا استقرت وفرضت احترامها. والاعتراف لم يعد حقًا ممنوحًا، بل نتيجة منطقية لإجادة ممارسة السيادة.
وهكذا، يبقى السؤال مطروحًا لا على الآخرين فقط، بل على الحكومات الجديدة ذاتها: هل تحسن تقديم نفسها بوصفها حكومة تمثّل إرادة شعبها، وتحترم التزامات الدولة، وتتحدث بلغة القانون والسياسة؟ فإن فعلت، اعترف بها العالم، وإن ترددت، بقيت في هامش المشروعية.
فشل العقوبات الجنائية الدولية في حماية الشعوب
قراءة قانونية–سياسية في عدالة غائبة وازدواجية فاضحة
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ: 9 ديسمبر 2025
في عالم من المفترض أنه محكوم بالقانون، ما زال ملايين الضحايا حول العالم ينتظرون عدالة لم تأتِ، ومحاكمات لم تُعقد، ومذكرات توقيف بقيت معلقة في سماء السياسة الدولية دون أقدام تنفذها. فالعقوبات الجنائية الدولية وُجدت، وتكرّست في نصوص وقوانين ومؤسسات، لكنها لم تتحول يومًا إلى نظام ردع حقيقي، ولا إلى مظلة حماية للشعوب التي تعرضت للإبادة أو الاحتلال أو القمع الممنهج. لقد انطلقت الفكرة الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية من محكمتي نورمبرغ وطوكيو، حين بُشّر العالم بعدالة فوق الحرب، وقانون فوق السلاح. ثم جاءت محاكم يوغوسلافيا ورواندا، وأخيرًا المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، لتجسّد مبدأ محاسبة الأفراد وليس فقط الدول، وجعل الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، ولا تُغطى بالحصانة السياسية. لكن الطريق من المبادئ إلى الواقع كان محفوفًا بالإخفاق، حتى صار القانون الدولي الجنائي مجرد أداة انتقائية، تُستخدم ضد الضعفاء، وتُعطل أمام الأقوياء.
من الناحية القانونية، تنص المادة الأولى من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ميثاق روما لعام 1998) على اختصاص المحكمة بمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن "أشد الجرائم خطورة"، وتحدد المادة الخامسة تلك الجرائم: الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجريمة العدوان. وتؤكد المادة السابعة والعشرون أن الصفة الرسمية لا تمنح حصانة، ولا تمنع المحاكمة، حتى لو كان الشخص رئيسًا أو وزيرًا أو قائدًا عسكريًا. ومع ذلك، فإن هذه النصوص الصلبة تفقد وزنها حين يُترك التنفيذ بيد السياسة، ويُعلّق على مشجب الإرادة الدولية المهشّمة. فالدول الكبرى لم تنضم أصلاً للمحكمة (أميركا، روسيا، الصين، إسرائيل)، ولا تزال المحكمة مربوطة بمجلس الأمن الذي يملك خمس دول حق النقض، مما يجعل أي إحالة للقضايا الكبرى رهينة التوافق بين القوى العظمى، لا بين القواعد القانونية.
ولا تقتصر المشكلة على الهياكل، بل تتجسد في الوقائع. ففلسطين، التي تعيش تحت الاحتلال منذ أكثر من سبعة عقود، تعرّض قطاعها المحاصر لحروب متتالية موثقة بالصوت والصورة وشهادات الضحايا وتقارير الأمم المتحدة، ومع ذلك لم تصدر المحكمة مذكرة توقيف واحدة بحق قادة إسرائيل. بل وُوجهت كل محاولات فتح تحقيقات رسمية بعرقلة دبلوماسية وضغوط مباشرة، حتى باتت الجرائم تُرتكب على الهواء، ويُناقش أمرها في المؤتمرات، دون أن يدخل ملفها قاعة المحاكمة. في سوريا، قُصفت المدن بالكيماوي، وشُرد الملايين، ووُثّقت جرائم لا تُحصى، ومع ذلك بقي بشار الأسد رمزًا للإفلات، محميًا بالفيتو الروسي، ومغطى بحسابات إقليمية ودولية، لا مكان فيها لمبدأ المحاسبة. أما في العراق، فقد وقع الغزو الأميركي تحت أنظار الأمم المتحدة، وسُحقت المدن، وقُتل المدنيون، وتعرض المعتقلون لأبشع الانتهاكات في سجن أبو غريب وغيره، دون أن يفتح أي ملف جنائي بحق الرئيس الأميركي آنذاك، أو القادة العسكريين الذين نفذوا ذلك الغزو الكارثي.
حتى حين صدرت مذكرة توقيف دولية بحق عمر البشير في السودان، لم تُنفذ، بل استُقبل الرجل رسميًا في أكثر من عشر دول أعضاء في المحكمة نفسها، وهو ما يجعل من المحكمة كيانًا لا يملك سوى الأوامر التي لا تُطاع، والقرارات التي لا يُلتفت إليها. وفي مارس 2023، حين أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قوبلت بالسخرية والتحدي، ولم تغيّر من مسار الحرب في أوكرانيا شيئًا. الواقع أن الدول التي تملك القوة لا ترى في المحكمة أكثر من مؤسسة رمزية، يمكن الاستفادة منها في الملفات الصغيرة، أو في تصفية الحسابات مع القادة الخارجين عن الخط الدولي، لكنها لا ترى فيها مرجعًا أخلاقيًا أو قانونيًا يُحتكم إليه حين تكون هي المتهمة.
وهكذا، تحوّلت العدالة الجنائية الدولية من منظومة قانونية إلى أداة تفاوض سياسي. تُفتح الملفات حين تقتضي الضرورة الدبلوماسية، وتُغلق حين تمسّ المصالح الاستراتيجية. تُحاكم المعارضة في إفريقيا، ويُعفى الاحتلال في فلسطين. يُعاقب جنرالات الكونغو، وتُنسى مجازر فرنسا في الجزائر، والصين في تركستان الشرقية، والولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. بل إن المحكمة نفسها تعترف في تقاريرها السنوية بأن عدد الدول المتعاونة معها في تنفيذ أوامر القبض لا يتجاوز نصف عدد الدول الأعضاء، مما يعني أن العدالة تُطلب ولكنها لا تُفرض، وتُعلن ولا تُطبق.
إن هذا الفشل ليس تقنيًا، بل بنيوي. فالقانون لا يساوي شيئًا إذا لم يملك أدوات التنفيذ، ولا يصبح عدالة إذا خضع لميزان المصالح لا ميزان الحق. ولذلك، فإن إصلاح المحكمة الجنائية الدولية لا يمكن أن يكون مجرد تعديل للنظام الأساسي، أو توسعة للولاية القضائية، بل يجب أن يبدأ من مراجعة علاقتها بمجلس الأمن، ومنحها استقلالًا حقيقيًا، وتأسيس جهاز تنفيذي يملك القوة لتنفيذ أوامرها، وتوسيع الاعتراف بها عالميًا، وإلغاء الاستثناءات للدول الكبرى. كما يجب تفعيل مفهوم "الولاية القضائية العالمية"، وتمكين المحاكم الوطنية من محاكمة مجرمي الحرب، وعدم الاكتفاء بالانتظار حتى تتحرك لاهاي.
لكن في ظل هذا الواقع، تبقى الحاجة إلى نظام عدالة موازٍ، أخلاقي، شعبي، توثيقي، يُدين وإن لم يُعاقب، يُوثّق وإن لم يُنفذ، يُحرج وإن لم يَحكم. فالصمت يُشرعن، والسكوت يُكافئ الجلاد، والمجتمع الدولي إذا لم ينتصر للضحية، يتحوّل تدريجيًا إلى شريك في الجريمة. العدالة التي لا تطرق أبواب الأقوياء ليست عدالة. والعدالة التي تُطبّق على الضعيف فقط، هي ظلم مغلّف في ثياب القانون.
الإلزام القانوني في محيط العلاقات الدولية بين النصوص السيادية والوقائع المرنة
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ: 10 ديسمبر 2025
في عالم يُقال إنه محكوم بالقانون، تبرز التناقضات الأكثر جلاءً حين ننتقل من النصوص القانونية إلى الوقائع السياسية. فالقانون الدولي العام، في بُعده النظري، يُقدّم نفسه كمنظومة ملزِمة للدول، تقوم على مبادئ السيادة، المساواة، وعدم استخدام القوة، لكنه حين يُختبر على أرض الواقع، يتكشّف عن طيف واسع من المرونة والتأويل، ويصبح الإلزام نفسه خاضعًا لمعادلات القوة أكثر مما هو مرتبط بمبدأ قانوني محض. وتحت هذا التفاوت بين النظرية والممارسة، يولد سؤال جوهري: هل الإلزام القانوني في العلاقات الدولية حقيقي وفعّال، أم مجرد ترف أخلاقي نُلوّح به حين لا تتعارض المصالح الكبرى؟
من السيادة إلى التنازل المقنّع
تشير المبادئ العامة للقانون الدولي، كما وردت في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، إلى أن الدول "متساوية في السيادة"، وأنه "لا يجوز التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة". لكن هذه السيادة لا تبقى صامدة أمام الاتفاقيات الثنائية أو الضغوط الاقتصادية أو التهديدات السياسية. فالدول تُجبر أحيانًا على توقيع معاهدات أمنية أو اقتصادية لا تعبّر عن إرادة حرة بل عن واقع مضغوط، وتتنازل ضمنيًا عن جزء من سيادتها تحت شعار التعاون أو الحماية. وهنا، لا يكون الإلزام القانوني ناتجًا عن الإرادة، بل عن واقع مفروض، كما حصل مع دول وقّعت اتفاقيات دفاع مشترك تحت ضغط وجود قواعد عسكرية على أراضيها.
القانون الدولي... أخلاقي في النص، سياسي في الواقع
يبدو القانون الدولي في بنيته النصوصية محكومًا بقيم مثل السلام والعدالة والإنصاف، لكن ممارسته تبقى مرتهنة لمنطق السياسة الدولية. فالدولة القوية تستطيع أن ترفض الامتثال لأمر محكمة أو قرار مجلس حقوق الإنسان دون أن تتحمّل تبعات فعلها، بينما تُجبر الدولة الضعيفة على الانصياع الكامل. وهذا التفاوت ليس عرضًا، بل بنية قائمة. الولايات المتحدة مثلاً لم تصادق على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لكنها تضغط على الدول الأخرى للالتزام بقراراتها. إسرائيل تنتهك عشرات القرارات الأممية، ولا يُفرض عليها شيء. في المقابل، تُفرض عقوبات على دول الجنوب العالمي لأسباب غالبًا ما تُغطى بعبارات حقوقية، بينما دوافعها سياسية بالكامل.
إلزامية القانون المشروط بالعضوية أو القوة
العديد من الالتزامات القانونية الدولية لا تكتسب طابع الإلزام إلا إذا كانت الدولة عضوًا في اتفاقية ما. لكن ما الذي يمنع دولة من الانسحاب من الاتفاقيات؟ أو التحلل من التزاماتها؟ ما الذي أوقف الولايات المتحدة عن الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ في عهد ترامب؟ أو إلغاء التزاماتها في الاتفاق النووي الإيراني؟ أو تعليق تمويلها لمنظمات أممية؟ الواقع أن هذه الخروقات لا تؤدي إلى إجراءات عقابية فعالة، لأن القانون لا يمتلك جهاز إنفاذ عالمي، ولا يملك محكمة لها الولاية الإلزامية على الجميع، ما لم تكن بموافقتهم.
توازنات المصالح أقوى من قواعد القانون
حين تتعارض القواعد القانونية مع المصالح الاستراتيجية، تُقصى القواعد جانبًا. فالمادة 2 من الميثاق تُحرّم استخدام القوة، لكن تدخل الناتو في ليبيا تم خارج قرار ملزم. والغزو الأميركي للعراق لم يستند إلى قرار أممي صريح، بل إلى "تفسير موسّع" لمفهوم الخطر. وحتى في حالات واضحة كقضية فلسطين، فإن قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، تُجمع على الإدانة، دون أثر عملي. فالمعيار هنا ليس عدالة القضية، بل مَن الذي يملك الفيتو، ومَن الذي يستطيع تعطيل مسار القانون باسم الأمن أو الاستقرار أو الواقع الجيوسياسي.
القانون الدولي بين الالتزام الطوعي والتنفيذ الانتقائي
في غياب جهاز تنفيذي، يصبح تنفيذ القانون الدولي رهينة "الالتزام الطوعي" للدول. تنفّذ الدولة ما يتوافق مع مصلحتها، وتُعطّل ما لا يخدمها. والمثال الأوضح هو "الفتوحات" القانونية التي تقوم بها بعض الدول الكبرى حين تصوغ تفسيرًا خاصًا لمبادئ القانون الإنساني أو قواعد الحرب أو مبدأ السيادة، وتدفع المجتمع الدولي لتبنّي رؤيتها. وتصبح المحكمة الجنائية الدولية، أو مجلس الأمن، أو حتى محكمة العدل الدولية، أدوات ضغط عند الحاجة، لا مؤسسات حيادية. من هنا يُفهم كيف تُفتح ملفات ملاحقة لقادة أفارقة أو مسؤولين متمردين، بينما تُغلق ملفات بشار الأسد ونتنياهو وبوش وبلير وكبار المسؤولين عن الحرب في أفغانستان والعراق وسوريا واليمن.
من الإلزام القانوني إلى المعيار الأخلاقي
إذا كان القانون الدولي لا يمتلك قوة التنفيذ، ولا يضمن المساواة، ولا يفرض المحاسبة، فهل نرميه جانبًا؟ الجواب لا. لكن يجب أن يُفهم دوره ضمن شبكة القوى لا كمنظومة مثالية مجردة. فالقانون لا يزال يحمل قيمة رمزية ومعيارًا أخلاقيًا وضاغطًا، لكنه ليس حَكَمًا مستقلًا بعد. الحاجة اليوم إلى تفعيل أدوات الإلزام من خلال آليات جديدة: توسيع صلاحيات المحكمة الجنائية، تقييد الفيتو، منح المنظمات الإقليمية قدرة على تنفيذ القرارات، وتفعيل مبدأ "الولاية القضائية العالمية". وفوق كل ذلك، نحتاج إلى مجتمعات مدنية دولية قادرة على الضغط، ومنصات إعلامية وقانونية تُعيد الاعتبار للعدالة كقيمة، لا كأداة.
إن الإلزام القانوني في العلاقات الدولية ليس خرافة، لكنه ليس حاضرًا بصيغته المرجوّة. هو موجود في النص، غائب في السلوك، حي في الضمير الإنساني، ضعيف في معادلة القرار. ومن هنا، فإن العمل على ترسيخه لا يبدأ من الورق، بل من فضح انتقائيته، وكشف هشاشته، ومراكمة أدوات الضغط الأخلاقي والقانوني، ليعود القانون سيّدًا لا تابعًا، وحَكَمًا لا حاشية.
قصف الدوحة واستهداف قادة حماس، خرقٌ للسيادة وتحدٍّ لنظام القانون الدولي
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
التاريخ: 10 ديسمبر 2025
في فجر 9 سبتمبر 2025، سُجّلت سابقة خطيرة في العلاقات الدولية حين قامت إسرائيل بتنفيذ ضربة جوية أو صاروخية داخل العاصمة القطرية الدوحة، مستهدفة مقرًا مؤقتًا لوفد تفاوضي تابع لحركة حماس، في وقت كانت تجري فيه مفاوضات غير مباشرة برعاية قطرية من أجل التوصل إلى اتفاق لتبادل الأسرى. أسفرت العملية عن مقتل نجل القيادي البارز خليل الحية ومدير مكتبه، في حين نجا الأخير من محاولة الاغتيال. الحدث أثار موجة من التساؤلات القانونية والسيادية حول شرعية الهجوم، مدى تجاوزه للخطوط الحمراء في القانون الدولي، ومسؤولية الأطراف المتداخلة – مباشرة أو غير مباشرة – في هذا الاعتداء غير المسبوق على أرضٍ تلعب دور الوسيط لا طرف النزاع.
وفق ميثاق الأمم المتحدة، وتحديدًا في المادة (2/4)، يُحظر على أي دولة استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى. وفي حالة قطر، لا مجال للتذرّع بالدفاع المشروع، كما نصّت عليه المادة (51)، إذ لم يكن هناك أي هجوم قطري على إسرائيل، ولا تهديد محتمل يُبرر ضربة استباقية. وعليه، فإن الاعتداء الإسرائيلي يُعد عدوانًا مسلحًا على دولة ذات سيادة، ومخالفة صريحة لجوهر القانون الدولي، الذي لا يجيز انتهاك حدود الدول حتى في حالات التوتر القصوى. الأخطر أن الهجوم لم يقع في ساحة حرب، بل في عاصمة يُفترض أنها محايدة، تُسهّل مفاوضات ذات طابع إنساني، ما يجعل الضربة لا تُقوّض السيادة فقط، بل تهدد مفهوم الوساطة نفسه، وتنسف أعراف النزاعات المسالمة.
الحدث يزداد تعقيدًا عند النظر إلى وجود قاعدة "العديد" العسكرية الأميركية في قطر، وهي من أكبر القواعد في الشرق الأوسط، وتخضع لاتفاق دفاع مشترك يُنظّم علاقات البلدين الأمنية منذ 1992. هذا الوجود لا يمنح الولايات المتحدة حق التصرف الأحادي داخل الأراضي القطرية، بل يخضع لبنود واضحة تتعلق بالتنسيق الأمني، والتزامات الحماية، وعدم استخدام الأراضي القطرية في أي عمليات عسكرية هجومية دون موافقة الدولة المضيفة. فإن ثبت أن الهجوم الإسرائيلي تم بمعرفة أو تغطية لوجستية أو معلوماتية ضمن المجال الأميركي – حتى بصمت أو إهمال – فإن ذلك يُلقي بظلال قانونية خطيرة على دور واشنطن، ويجعلها في موقع مساءلة غير مباشرة بموجب مشروع "مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة" لعام 2001 الصادر عن لجنة القانون الدولي، والذي يُحمّل الدولة مسؤولية المساعدة أو التسهيل أو عدم المنع في حال كانت تملك السيطرة أو النفوذ.
لكن حتى في حال نفي أي ضلوع أميركي مباشر، فإن السؤال يبقى مطروحًا حول مسؤولية الحماية، ليس فقط بالمفهوم العسكري، بل بحكم العلاقة الدفاعية، وموقع القاعدة، وطبيعة المعلومات المتبادلة. إذ إن السكوت عن اختراق كهذا، في محيط قاعدة مراقبة جوية واستخبارية متقدمة، يُعد ثغرة يصعب تبريرها في زمن الطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية.
ما جرى في الدوحة يتجاوز الاعتداء العسكري، ليضع النظام الدولي برمّته أمام مرآة الخلل البنيوي. فإسرائيل لم تكتفِ بقصف خصومها في مناطق النزاع، بل انتقلت إلى قصف طرف تفاوضي في أرض وسيطة، وفي توقيت حرج من عملية إنسانية كان يُفترض أن تحميها القوانين والأعراف. إن استهداف وفد غير مسلح، أثناء قيامه بدور تفاوضي، يرقى إلى "جريمة عدوان على عملية سلام"، بل قد يُدرج ضمن انتهاكات القانون الدولي الإنساني، إذا اعتُبر محاولة لإفشال مفاوضات تُنقذ أرواحًا أو تُطلق سراح مدنيين.
ومع ذلك، فإن قطر، من منظور القانون الدولي، تحتفظ بكامل حقها في التحرك. بدءًا من تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن وفق المادة (35) من الميثاق، مرورًا بالدعوة إلى جلسة طارئة تحت بند تهديد السلم الدولي، وصولًا إلى إثارة القضية في الجمعية العامة للأمم المتحدة عبر مبدأ "الاتحاد من أجل السلم"، ثم التوجه إلى محكمة العدل الدولية بطلب استشارة قانونية، أو حتى رفع دعوى، إن أمكن إثبات ولاية قضائية مناسبة. إلى جانب ذلك، يمكن استثمار الإطار الإقليمي من خلال تفعيل المادة (5) من ميثاق جامعة الدول العربية، التي تعتبر الاعتداء على دولة عضو اعتداءً على جميع الدول الأعضاء، وفتح تحقيق تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، أو ضمن مجلس حقوق الإنسان في جنيف باعتبار أن الضربة وقعت أثناء مسار تفاوضي إنساني.
المفارقة هنا أن استهداف "خليل الحية" لم يتم في ساحة قتال، ولا في خضم اشتباك عسكري، بل في قلب العاصمة الدبلوماسية الأكثر فاعلية في الشرق الأوسط. وهذا وحده كفيل بجعل الرد القانوني متجاوزًا لحسابات التهدئة. فالقضية لم تعد بين إسرائيل وحماس فحسب، بل بين القانون الدولي بوصفه ضمانة سيادة الشعوب، وبين نموذج متكرّر من العقيدة الإسرائيلية القائمة على تجاوز القانون واختبار رد الفعل العربي والدولي. فإن لم يكن لهذا الحدث موقف دولي واضح، فإن باب استهداف المفاوضين سيُفتح في كل مكان.
إن قصف الدوحة ليس مجرد خرق سيادي، بل هو إعلان عملي عن تآكل احترام القواعد، ونكوص عن كل الأعراف التي تنظّم العلاقات في زمن الحرب، فما بالك بزمن التفاوض. وإذا كانت إسرائيل قد نجحت في توجيه ضربة عسكرية في موقع حساس، فإن السؤال الذي يجب أن يُسأل اليوم: هل القانون الدولي لا يزال يمتلك قدرة الردع؟ وهل الصمت اليوم يُهيئ لغدٍ تتكرر فيه العملية في عواصم عربية أخرى، في لقاءات سياسية أو دبلوماسية أو حتى أممية؟
إن السكوت على هذه الضربة، من دون مساءلة، هو بداية انهيار لفكرة السيادة بمعناها الحديث. وإن لم تكن قطر، الدولة ذات الحضور السياسي المحترم، والموقع الاستراتيجي المحصّن، محمية من هذا العبث، فمن سيكون؟
ازدواجية المحاكم الدولية في ملاحقة مجرمي الحرب
بين غزة ودمشق وأوكرانيا... القانون لا يُحكم الجميع
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ: 10 ديسمبر 2025
لم يكن القانون الدولي الجنائي يومًا مجرد مدونة من المبادئ. لقد نشأ كصرخة ضد الجريمة المنفلتة، وكإعلان أممي بأن هناك سقفًا قانونيًا يجب أن يُطاع، مهما علا شأن الجناة. منذ محاكم نورمبرغ، وصولًا إلى تأسيس المحكمة الجنائية الدولية عام 1998 بموجب "نظام روما الأساسي"، كان الهدف واضحًا: لا إفلات من العقاب لمن يرتكب الجرائم الأشد خطورة، من إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وعدوان. لكن هذا الطموح القانوني ما لبث أن واجه واقعًا دوليًا مشبعًا بالمصالح، حتى باتت المحكمة نفسها تُتّهم بأنها تُدين من تُتاح إدانته، وتتجاهل من لا يُمسّ.
في قطاع غزة، تتراكم الأدلة بشكل يومي منذ السابع من أكتوبر 2023. آلاف الضحايا من المدنيين، قصف ممنهج على المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، واستخدام واضح لأسلحة محرمة، وتوثيق مباشر لانتهاكات صارخة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكول الأول لعام 1977. ومع ذلك، لم تصدر المحكمة الجنائية الدولية حتى اليوم مذكرة توقيف واحدة ضد أي من القادة الإسرائيليين. لا يهم أن الجرائم وقعت ضمن اختصاص المحكمة (باعتبار فلسطين عضوًا فيها منذ 2015)، ولا يهم أن الشكاوى قدمت من جهات رسمية وغير رسمية، فالمعادلة السياسية تبقى أقوى من النصوص. فما دام مجلس الأمن مشلولًا بفعل الفيتو الأميركي، وما دامت الدول الكبرى تمسك بميزانية المحكمة وشرعية حركتها، فإن المسطرة القضائية تبقى عرجاء.
على الجانب الآخر، وفي سوريا، تسيل الدماء منذ 2011. مجازر الغوطة بالكيماوي، إبادة المدن الثائرة، التعذيب المنهجي في المعتقلات، كلها وثقتها لجان دولية مستقلة، ونشرتها منظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" و"لجنة التحقيق الأممية المستقلة بشأن سوريا". ومع ذلك، فإن بشار الأسد لم يواجه يومًا مذكرة توقيف دولية، رغم أنّ الجرائم وقعت على أراضي دولة عضو في الأمم المتحدة، وبإمكان مجلس الأمن أن يحيل الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة (13/ب) من نظام روما. لكن الفيتو الروسي–الصيني كان أقوى من الجريمة ذاتها، وأبطل أي محاولة لإحقاق العدالة، بينما يقف الضحايا السوريون أمام شاشة المحكمة يتساءلون: هل العدالة تنتظر تغير موازين القوى؟
وحين نصل إلى أوكرانيا، نقف أمام مفارقة صارخة. فبعد عام فقط من اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، أصدرت المحكمة الجنائية مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بتهمة "ترحيل الأطفال الأوكرانيين من الأراضي المحتلة". فجأة، استعادت المحكمة كل آلياتها، وأعلنت اختصاصها رغم أن روسيا ليست طرفًا في نظام روما. بل سارع الغرب إلى الإشادة بالخطوة، وتم التنسيق مع دول أوروبية لتأكيد استعدادها لتنفيذ المذكرة إن زار بوتين أراضيها. ليست المشكلة هنا في ملاحقة الجناة – فهي ملاحقة عادلة – بل في المعايير المزدوجة. لماذا تحركت المحكمة بسرعة فائقة في أوكرانيا، بينما تجمّدت ملفات غزة وسوريا لعقدين؟
تنص المادة (27) من نظام روما على أن "هذا النظام يُطبق على جميع الأشخاص بصورة متساوية، دون تمييز بسبب الصفة الرسمية"، وأن "الصفة الرسمية كالرئيس أو الحكومة أو عضو في البرلمان، لا تُعفي من المسؤولية الجنائية". لكن هذه المادة لم تُفعل إلا على زعماء دول إفريقية أو شخصيات غير محمية دبلوماسيًا. أما القادة الإسرائيليون أو الروس أو الأميركيون، فإنهم يُعاملون كاستثناء دائم. لقد أصبح نظام روما – وهو الوثيقة التأسيسية للمحكمة – يطبّق أحيانًا ويُجمّد أحيانًا، وفق ميزان المصلحة لا ميزان القانون.
ولم يكن هذا التجريد من العدالة نتيجة عجز في النصوص، بل نتيجة هشاشة في بنية المحكمة نفسها. فهي تعتمد على تمويل الدول الأعضاء، وتخضع لنفوذ سياسي مكشوف، ولا تملك ذراعًا تنفيذية، وتعتمد على تعاون الدول لتوقيف المطلوبين. وحين ترفض إسرائيل الاعتراف بالمحكمة، وتُدين الولايات المتحدة تحقيقاتها، وتسحب روسيا توقيعها، فإن المحكمة تصبح رهينة الأعضاء الأضعف الذين لا يملكون حماية دولية، ولا قدرة على تحدي النظام العالمي القائم.
والخطر هنا لا يقف عند حدود التقاعس، بل يتعداه إلى شرعنة الإفلات. حين يُشاهد العالم أن الجرائم تُرتكب في وضح النهار، ولا يتحرك أحد، فإن ذلك لا يُضعف المحكمة فقط، بل يُشجع على تكرار الجرائم. فالردع لا يتحقق بالبيانات، ولا بالنصوص، بل بالإرادة. والعدالة إن لم تكن فاعلة في وجه القوي، فهي ليست عدالة، بل تواطؤ مقنّع.
إن العالم لا يحتاج إلى صياغة نصوص جديدة، بل إلى تحييد المحكمة الجنائية الدولية عن نفوذ الدول الكبرى. يجب أن يُلغى تأثير الفيتو على إحالات الجرائم الخطيرة. ويجب إنشاء ذراع تنفيذية دولية تُنفذ أوامر التوقيف، دون انتظار "موافقة سياسية". ويجب أن يُحاسب القادة على الجرائم بصرف النظر عن تحالفاتهم. فما معنى أن يُحاسب زعيم أفريقي على استخدام المليشيات، بينما يُمنح من يقصف غزة حصانة سياسية؟ وما معنى أن يُتهم بوتين على فعل خطير، بينما لا يُحاسب من قتل آلاف الأطفال في سوريا بالسلاح الكيماوي؟
العدالة لا تقبل الانتقاء. وإذا كانت محكمة لاهاي ترغب بأن تُحترم عالميًا، فعليها أن تبدأ بمعاملة الملفات بمعيار واحد. وإلا، فإن مصداقيتها ستنهار، كما انهار سابقًا مجلس عصبة الأمم، حين قرر أن يتحدث عن القانون بلغة المصالح فقط.
القانون الدولي والمياه المفتوحة: من حماية المضائق إلى ضبط الملاحة البحرية
د. أيمن خالد – إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ: 10 ديسمبر 2025
في خضمّ الفوضى الجيوسياسية التي تجتاح العالم، يطفو على السطح سؤال لا يبدو بسيطًا كما يبدو في ظاهره: من يملك البحر؟ وهل تسيّره القوانين أم القوة؟ بين نصوص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتحوّلات الصراع على المضائق، والتدفقات التجارية العابرة، وتنامي الأساطيل البحرية، يقف القانون الدولي في امتحان لا ينتهي. البحر لا ينتمي لأحد، لكنه أيضًا لا يترك دون نظام، وبين السيادة والحرية، تنشأ المعارك القانونية الكبرى. في هذا المقال، نغوص في أعماق قانون البحار، من المنظور القانوني البحت إلى امتداداته السياسية والاستراتيجية، لنفهم كيف يُدار واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الدولية.
من "المياه الحرة" إلى دستور البحار: تشكّل الإطار القانوني
لم يكن البحر في بدايات القانون الدولي سوى فضاء مفتوح للقوة. تحكمه المدافع، وتخطّ حدوده الإمبراطوريات. لكن احتدام النزاعات على الصيد، والمضائق، والموانئ، فرض على العالم تبني منظومة قانونية متكاملة، تجلّت في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي باتت تُعرف بـ"دستور المحيطات". هذه الاتفاقية قسمت المجال البحري إلى مناطق: المياه الداخلية، المياه الإقليمية (12 ميلًا)، المنطقة الاقتصادية الخالصة (200 ميل)، الجرف القاري، وأعالي البحار، وحددت بدقة حقوق الدول الساحلية وغير الساحلية، ورسّخت مبدأ حرية الملاحة، وحرية البحث العلمي، وألزمت الجميع بمراعاة حماية البيئة البحرية.
بموجب الاتفاقية، أصبحت السيادة لا تنتهي عند اليابسة، بل تمتد إلى 12 ميلًا بحريًا، مع صلاحيات اقتصادية تمتد إلى 200 ميل، بينما تبقى أعالي البحار منطقة مشتركة للجنس البشري، يحكمها مبدأ الاستخدام السلمي وحرية الملاحة، تحت رقابة القانون الدولي وليس الهيمنة العسكرية.
المضائق الدولية: ممرات العبور أم ساحات الهيمنة؟
تكمن العقدة الكبرى في القانون البحري في المضائق الدولية، تلك الفتحات الجغرافية التي تربط بحارًا ومحيطات وتتحكم بـ90% من التجارة العالمية. مضيق هرمز، باب المندب، البوسفور، ملقا، مضيق تايوان... كلها تحولت من معابر مائية إلى مفاتيح سياسية وجيوسياسية، تخوض فيها الدول حرب التأويلات القانونية. وقد نصّت اتفاقية الأمم المتحدة على مبدأ "العبور العابر" (Transit Passage) الذي يسمح لكل السفن والطائرات بالمرور السلمي في هذه المضائق، دون أن تملك الدول الساحلية الحق في عرقلته إلا في حالات محددة جدًا تتعلق بالأمن الوطني أو التلوث أو الحروب.
لكن الواقع تجاوز النص. إيران تهدد بإغلاق هرمز، تركيا تضغط في البوسفور، الصين تبني جزرًا في بحر الصين الجنوبي، والولايات المتحدة تنفذ مناورات بحرية عابرة لكل المعابر الحساسة. وفي كل مرة، يُختبر القانون الدولي، لا بوصفه مجرد وثيقة، بل باعتباره توازنًا هشًا بين "حرية البحر" و"سيادة الأرض".
حق الدول غير الساحلية: عبور الجغرافيا والشرعية
من بين الابتكارات التي جاءت بها اتفاقية قانون البحار، نصها الصريح على حقوق الدول غير الساحلية. فالدولة التي لا تطل على البحر ليست دولة منقوصة السيادة، بل تملك الحق القانوني في الوصول إلى البحر عبر أراضي الدول المجاورة، وفقًا للمادة 125. وتمنح الاتفاقية لهذه الدول حرية المرور البري والنهري، وتضمن لها حق استخدام الموانئ، بل وتنظيم مناطق حرة في أراضٍ ساحلية باتفاقات ثنائية.
لكن هذه الحقوق تصطدم في بعض الحالات بالسيادة السياسية للدول الساحلية، التي قد تفرض قيودًا أو رسومًا أو تعرقل التمرير. القانون الدولي لا يسمح بالمنع الكلي، لكنه يترك الباب مفتوحًا لتأويل "الأمن القومي". وهكذا، يصبح البحر قضية دبلوماسية معقّدة لا يكفي فيها النص القانوني، بل تحتاج إلى إرادة سياسية وإنصاف تاريخي.
أمن الممرات البحرية: بين القانون والسيطرة المسلحة
رغم كل النصوص، فإن البحر ليس مساحة بريئة. فموجاته تحمل سلعًا وجيوشًا وسلاحًا ومخدرات. القرصنة ما زالت قائمة في القرن الحادي والعشرين، والتهريب البحري يشكّل خطرًا أمنيًا موازٍ للإرهاب، بينما تُحتجز السفن وتُمنع الموانئ لأسباب سياسية تحت غطاء الأمن. هنا يلعب القانون البحري دورًا دقيقًا، حيث تمنح المادة 105 من الاتفاقية للدول حق مطاردة القراصنة ومحاكمتهم، حتى في أعالي البحار.
لكن حين تنتقل القرصنة من جماعات صغيرة إلى عمليات تقودها دول أو جهات شبه عسكرية، كما يحدث في البحر الأحمر أو بحر العرب، يصبح القانون عاجزًا دون إرادة تنفيذ. ومع دخول سلاح الجو والصواريخ الفراغية إلى الممرات، بات البحر مجالًا قتاليًا يُخيف التجارة، ويُربك القانون، ويُعقّد المعادلة القانونية بين حرية الملاحة والسيادة البحرية.
التحدي القانوني بين النص والواقع: من الأعالي إلى الأزمات
القانون الدولي للبحار وضع أدوات متقدمة: محكمة قانون البحار في هامبورغ، التحكيم البحري، وآليات تسوية المنازعات. لكن حجم النزاعات، من شرق المتوسط إلى بحر الصين، كشف أن النص القانوني وحده لا يردع، وأن الخلافات تتجاوز الجغرافيا إلى لعبة النفوذ. لم تستطع المحكمة البحرية منع بناء الجزر الصناعية في بحر الصين، ولا منعت اعتراض السفن في مضيق تايوان، ولا حتى تهريب السلاح عبر المرافئ في صراعات الشرق الأوسط.
التحدي لا يكمن في القانون، بل في إرادة تفعيله، وفي هيكل النظام الدولي نفسه. فالدول الكبرى التي وقّعت على اتفاقية البحار، مثل الولايات المتحدة، لم تُصادق عليها، وتستند إلى قواعد عرفية بدل الالتزام بالاتفاق. والفيتو الذي يحكم البر، يمتد بظلاله إلى البحر، ليحوّل الأعالي إلى ساحة رمادية يَغيب فيها الإنصاف، ويَحضر فيها منطق الغلبة.
خاتمة تحليلية: القانون البحري مرآة لعجز النظام الدولي
البحر لا ينتمي إلى أحد، لكنه محكوم بمن يملكه فعلًا. وفي غياب الردع القانوني، تبقى الملاحة البحرية حقلًا مفتوحًا للمزايدة، والسيادة البحرية ملعبًا للصراع. إن اتفاقية قانون البحار ليست مثالية، لكنها الأداة الوحيدة المتاحة لضبط هذا الفضاء الممتد بلا حدود. وإذا لم تتوحد الدول على احترامها، فسنشهد مزيدًا من الانفجارات في المياه، لا بفعل الأمواج، بل بفعل الغرق المستمر للنظام الدولي في الازدواجية.
لا بد أن يعود القانون ليكون حارسًا للسلام في البحر، لا مجرد شاهد على المعارك.
اتفاقيات جنيف الأربعة: الحصن الأخير في وجه همجية الحروب
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
التاريخ: 10 ديسمبر 2025
حين تتوحّش الحرب، وتتوارى الإنسانية خلف الدخان، لا يبقى في الميدان إلا نصوص القانون الدولي الإنساني، تحاول جاهدة تثبيت الحدود بين ما هو مقبول وما هو همجي. في طليعة هذه النصوص، تقف اتفاقيات جنيف الأربعة كأعمدة أخلاقية وقانونية، كُتبت بدماء ملايين الضحايا الذين سقطوا في الحرب العالمية الثانية، لتكون أشبه بنداء أخير من المجتمع الدولي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من كرامة الإنسان في زمن الانفجار.
1. في وجه السلاح.. القانون يتقدّم بلا درع
اتفاقيات جنيف لا تمنع الحرب، لكنها تنظمها. وهذا التنظيم هو – في حد ذاته – عمل مقاومة أخلاقية. فمنذ عام 1949، حين اجتمعت إرادة الدول على توقيع هذه الاتفاقيات الأربع، كانت الغاية هي وضع ضوابط قانونية للفظائع، وتحديد قواعد ملزمة تحمي من خرجوا من المعركة جرحى أو أسرى أو لا علاقة لهم بها أصلًا، كالمدنيين. هذا السياق التاريخي يعيدنا إلى أصل فلسفة القانون الدولي الإنساني: الحماية حتى في قلب الجحيم.
وقد شملت الاتفاقيات الأولى حماية الجرحى في البر، والثانية في البحر، والثالثة تنظيم أوضاع أسرى الحرب، والرابعة وهي الأخطر، كفلت الحماية للمدنيين في مناطق النزاع والاحتلال. هذه الطبقات الأربع ترسم خارطة النجاة من عبث القوة، لكنها – كما سنرى – لا تنقذ من يصرّ على تدمير النص بالوقائع.
2. الاتفاقيات الأربع.. قراءة تحليلية وظيفية
الوظيفة الأساسية لاتفاقيات جنيف أنها تجرّد العدو من مبررات البطش. الاتفاقية الأولى تمنع استهداف الفرق الطبية، وتلزم بحماية الجرحى والمرضى حتى من الطرف المعادي. والثانية تتوسع لتشمل النزاعات البحرية، فترعى الجنود الغرقى، وتحمي السفن الطبية. أما الاتفاقية الثالثة، فهي وثيقة كرامة للمقاتل الذي وقع في الأسر، ترفض التعذيب، وتمنع الإهانة، وتقرّ له حقوقًا قانونية واضحة.
لكن الأهم، والأكثر تماسًا مع واقعنا، تبقى الاتفاقية الرابعة. فهي تنظر إلى المدنيين لا كخسائر جانبية، بل كأطراف محميين بالقانون. تمنع ترحيلهم، قصفهم، تجويعهم، وتجرّم العقوبات الجماعية. هذه الاتفاقية هي ما يجعل الاحتلال مسؤولًا لا سيّدًا، وما يحوّل العدوان إلى جريمة دولية لا "حق سيادي" كما يزعم الغزاة.
3. حين يُهان النص: بين الشرعية الورقية والإفلات الممنهج
المعضلة الكبرى ليست في نقص القواعد، بل في غياب العقاب. اتفاقيات جنيف ملزمة بموجب القانون الدولي العرفي، حتى للدول غير الموقعة. لكنها لا تملك قوة تنفيذية ذاتية. المحكمة الجنائية الدولية التي أُنشئت لاحقًا لا تملك ذراعًا أمنية. ومجلس الأمن مكبّل بالفيتو، لا يتحرك إلا حين تتطابق السياسة مع النص.
من غزة إلى سوريا، ومن أوكرانيا إلى اليمن، تُنتهك مواد جنيف يوميًا: قصف المستشفيات، حصار المدن، استخدام الأسلحة المحرّمة، استهداف البنية التحتية المدنية. بل إن منتهكي الاتفاقيات باتوا يعقدون المؤتمرات باسم "مكافحة الإرهاب"، وهم يمارسون إرهاب الدولة المسلّح. هذا التناقض جعل من القانون الدولي الإنساني شعارًا أخلاقيًا أكثر منه أداة ردع فعّالة.
4. سوريا وغزة وأوكرانيا: مرايا لشلل القانون
في سوريا، منذ 2011، لم تُحص القذائف التي سقطت على المستشفيات والمدارس. قوافل الإغاثة قُصفت، والجرحى تُركوا ينزفون على الأرصفة. القانون هنا كان شاهدًا صامتًا، يراقب الصواريخ الروسية والبراميل المتفجرة وهي تمزق الاتفاقية الأولى والرابعة.
في غزة، يُضرب المدنيون عمدًا، يُحاصرون بالجوع والكهرباء والماء. يُجبرون على النزوح ثم يُقصفون أثناء الفرار. تقارير الأمم المتحدة نفسها تحدثت عن جرائم محتملة ضد الإنسانية، فيما النظام الدولي عاجز عن إلزام إسرائيل بأبسط بنود الاتفاقية الرابعة.
وفي أوكرانيا، من كلا الطرفين، تُوثق الانتهاكات بحق الأسرى والمدنيين. لكن لا حساب، ولا محاسبة. يظهر القانون كمن يحمل ميزانًا دون كفّة، وكمن يصرخ في فراغ ملغوم بالمصالح والاصطفافات.
5. نحو اتفاقيات جنيف جديدة: الحاجة لتحديث الحصن
العالم تغير. لم تعد الحروب تُخاض فقط بين جيوش نظامية. المليشيات، الحروب الهجينة، الطائرات المسيّرة، السايبر وور، الأسلحة الذكية، كلّها قلبت مفاهيم الحرب القديمة. وبالتالي، فإن تطبيق اتفاقيات جنيف بصيغتها التقليدية لم يعد كافيًا. يجب إعادة صياغة الاتفاقيات أو استكمالها ببروتوكولات جديدة تتناسب مع التحديات المعاصرة.
أين موضع الطائرات بدون طيار في اتفاقية حماية المدنيين؟ ما مصير الأطفال في الحروب بالوكالة؟ كيف يُحاسب مرتزقة بلا جنسية، ولا شارة عسكرية؟ كل هذه الأسئلة تفتح الباب نحو تطوير القانون بدلًا من تركه يتحلل تحت ضربات الواقع.
خاتمة تحليلية: بين النص والميدان... المعركة مستمرة
اتفاقيات جنيف ليست مجرد أوراق، إنها بقايا ضمير عالمي يتشبث بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. لكنها، في غياب قوة تنفيذية، تبقى نصوصًا يجلدها الواقع. ولكي لا نتحوّل إلى شهود على سقوط ما تبقى من القانون، يجب إعادة ربط النص بالمحاسبة، والانتهاك بالعقوبة، والعدالة بالسلطة.
لا تكفي الإدانات، ولا تجدي المؤتمرات، إن لم تقترن بإرادة تنفيذ. وإذا أرادت البشرية الحفاظ على إنسانيتها في الحروب، فعليها أن تبدأ من الدفاع عن هذه الاتفاقيات لا بالمدح، بل بالإجبار.
مبدأ عدم التدخل في القانون الدولي: بين السيادة الوطنية والتدخل الإنساني
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
التاريخ:11 ديسمبر 2025
1. مقدمة: السيادة كمعادل قانوني للوجود
لم يكن مبدأ عدم التدخل مجرد نص جامد في ميثاق الأمم المتحدة، بل هو تعبير عن القلق الأعمق لدى الدولة الحديثة: أن تبقى قراراتها نابعة من داخلها، غير خاضعة لإكراه الخارج ولا لموازين الضغط. هذا المبدأ، الذي تأسس مع المادة 2/7 من الميثاق، ارتقى عبر العقود إلى مرتبة القاعدة العرفية الملزمة، ليس لأنه يحمي جغرافيا الدولة فحسب، بل لأنه يحمي روحها السياسية، ويضمن أن إرادة الشعوب لا تُستبدل بإرادة القوى الكبرى. ومع أن القانون الدولي يعترف بحقوق الإنسان باعتبارها قيمة عليا، إلا أنه لا يسمح بتحويلها إلى نافذة للتدخل في شؤون الدول إلا وفق شروط محددة توازن بين قداسة السيادة وضرورة حماية البشر من الفظائع.
2. الإطار القانوني لمبدأ عدم التدخل: عندما يصبح النص حارسًا للسيادة
يعتمد القانون الدولي في ضبط هذا المبدأ على منظومة متماسكة من النصوص والقرارات والأحكام القضائية. فقد جاء إعلان مبادئ العلاقات الودية لعام 1970 ليؤكد أن لأي دولة الحق في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون تدخل خارجي. وفي حكمها التاريخي في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة عام 1986، اعتبرت محكمة العدل الدولية أن أي محاولة للتأثير على الخيارات السياسية لدولة ما، أو دعم مجموعات مسلحة داخلها، يُعد خرقًا مباشرًا لمبدأ عدم التدخل. ولأن هذا الحكم اكتسب صفة العرف، أصبح من المستقر قضائيًا أن السيادة ليست فكرة معنوية، بل حماية قانونية تمنع الخارج من إعادة تشكيل الداخل وفق أهوائه أو مصالحه. ومع ذلك، لم يمنع هذا الإطار القانوني الدول الكبرى من البحث عن أبواب جانبية للوصول إلى الداخل عبر مفهوم التدخل الإنساني.
3. التدخل الإنساني: من الخطاب الأخلاقي إلى الاستخدام الجيوسياسي
ظهر مفهوم "التدخل الإنساني" في نهاية الحرب الباردة بوصفه محاولة لإدخال البعد الأخلاقي في القانون الدولي، غير أن التطبيق العملي أثبت أن هذا البعد يتحرك في أغلب الأحيان وفق بوصلة المصالح لا وفق معيار الأخلاق. ليبيا عام 2011 كانت المثال الأكثر وضوحًا؛ فالتفويض الدولي الذي صدر تحت عنوان حماية المدنيين تحوّل خلال أيام إلى عملية عسكرية هدفها إسقاط النظام، ما كشف هشاشة الخط الفاصل بين الحماية الإنسانية والمشروع السياسي. وفي مقابل التدخل في ليبيا، ظلت سوريا تحت النار سنوات طويلة دون أن يجرؤ أحد على إعلان تدخل إنساني فعلي، لأن حسابات القوة حالت دون ذلك. وهكذا، فإن ازدواجية المعيار جعلت من التدخل الإنساني مفهوما ضبابيًا، يتسع حين تشاء القوى الكبرى، وينكمش حين تتصادم المصالح.
4. سيادة الدولة في لحظة الانكسار: حين تتقدم القوة ويتأخر القانون
إن أخطر ما يواجه مبدأ عدم التدخل ليس النصوص القانونية ولا الخلافات الفقهية، بل لحظة الانكسار التي تضع القانون في مواجهة القوة. اجتياح العراق عام 2003 شكّل كسرًا صريحًا لهذا المبدأ، حيث جرى تبرير الحرب بذريعة أسلحة لم يعثر عليها أحد. وفي أوكرانيا، ظهرت صورة أخرى للتدخل، حيث تداخلت ذرائع الأمن القومي مع حدود السيادة ومعادلات الردع. أما غزة، فتمثل مشهدًا مقلوبًا، حيث تُرتكب الانتهاكات الجسيمة دون أن يتحرك المجتمع الدولي تحت أي شعار إنساني، رغم أن قواعد القانون الدولي الإنساني تصرخ في وجوه الجميع بأن حماية المدنيين التزام لا خيار. إن هذه الأمثلة تكشف أن القانون يصبح أحيانًا شاهدًا على انتهاكه، وأن المبدأ يفقد صلابته كلما ازدادت شراهة القوة للتمدد.
5. التوازن الصعب: كيف يمكن إنقاذ السيادة دون التخلي عن الإنسان؟
التحدي الأكبر في القانون الدولي اليوم يتمثل في كيفية المواءمة بين مبدأ عدم التدخل وواجب المجتمع الدولي في حماية الإنسان. فلا السيادة تُترك بلا حدود، ولا التدخل يُسمح له أن يتحول إلى إعادة هندسة للدول. وهذا التوازن لا يتحقق إلا بشروط ثلاث: تفويض واضح وصريح من مجلس الأمن؛ تحديد أهداف التدخل ووسائله ضمن نطاق الحماية فقط؛ وضمان أن تكون العمليات العسكرية أو السياسية مؤقتة وغير قابلة للتحول إلى احتلال أو إعادة تشكيل النظام العام. كما أن تعزيز أدوات المحاسبة الدولية، ومنح المحاكم الدولية سلطة أقوى، يمثل خطوة ضرورية تمنع التدخل من الانزلاق نحو الاستخدام السياسي وتمنع السيادة من التحول إلى حصانة للجرائم.
6. خاتمة: السيادة ليست عقدًا مغلقًا… لكنها أيضًا ليست بوابة مشرعة
يبقى مبدأ عدم التدخل حجر الأساس الذي تستند إليه الجماعة الدولية للحفاظ على استقرار النظام العالمي، لكنه ليس مبدأ جامدًا، بل منظومة توازنات دقيقة بين الحق في الحكم الذاتي وحق الإنسان في الحياة الكريمة. والقانون الدولي، في لحظته الراهنة، يقف بين عالمين: عالم السيادة التقليدية التي تخشى اختراق الخارج، وعالم التدخلات الإنسانية التي تخشى تغوّل الداخل. وما لم يتم ضبط هذا الاشتباك، سيبقى مصير الدول رهينًا لمعادلة غير عادلة: حيث يتدخل الأقوياء حين يرغبون، وتُترك الشعوب وحدها حين يسقط الغطاء السياسي.
القانون الدولي والنقل عبر الدول الحبيسة: من حقوق الوصول إلى صراع السيادة
بقلم: د. أيمن خالد – إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ:11 ديسمبر 2025
رغم أن الخارطة الجغرافية للدول الحبيسة ليست جديدة في التاريخ السياسي، فإن التحديات المرتبطة بحقوق الوصول والنقل عبر أراضي الغير تُعدّ من أقدم وأعقد إشكاليات القانون الدولي. فالدول غير الساحلية، المحاصرة جغرافيًا، تجد نفسها دائمًا في مواجهة معادلة دقيقة: كيف تنال حقها في الاتصال بالعالم دون أن تهدر سيادة الدول التي تفصلها عن البحار؟ هذا السؤال الذي يبدو تقنيًا في ظاهره، يحمل في باطنه كل تعقيدات السيادة، والاتفاقات الدولية، والحسابات الجيوسياسية، والتوازنات الإقليمية، مما يجعله مرشحًا دائمًا للاشتعال في وجه النزاعات السياسية والاقتصادية.
دول بلا سواحل: حق الاتصال بالعالم لا يُختزل بالموقع الجغرافي
تُعرِّف اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 "الدولة الحبيسة" بأنها الدولة التي لا تطل أراضيها على أي بحر مفتوح. وحسب هذه الاتفاقية، فإن للدول الحبيسة حقًا أصيلًا في الوصول إلى البحار والمحيطات من خلال أراضي الدول المجاورة، وهو ما يُعرف بـ"الحق في المرور البري والعبور الحر".
لكن هذا النص، رغم وضوحه، لا يحمل صفة الإلزام المطلق ما لم يُدعم باتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف. هنا تبدأ المعركة القانونية والسياسية: ما بين دولة حبيسة تطالب بحقها في الربط البحري، ودولة مجاورة ترى في ذلك مساسًا بسيادتها أو فرصة للمساومة السياسية والاقتصادية.
في أفريقيا، تعاني دول مثل النيجر وتشاد من القيود المفروضة على نقل صادراتها عبر دول الجوار مثل نيجيريا أو الكاميرون. وفي آسيا، تواجه أوزبكستان وطاجيكستان تحديات مماثلة للوصول إلى الموانئ البعيدة، وسط حسابات متشابكة مع دول العبور.
المادة 125 من اتفاقية البحار: بين النص القانوني والتطبيق السيادي
تنص المادة 125 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على أن "للدول الحبيسة حق الوصول إلى البحر وحرية المرور من خلال أراضي الدول المتاخمة". لكن الفقرة الثانية من نفس المادة تقر بأن "ممارسة هذه الحقوق تكون وفق اتفاقات تُبرم بين الدول المعنية"، وهو ما يفتح الباب أمام صراعات تفسيرية.
فهل هذا الحق "مطلق" أم "تفاوضي"؟ وهل هو "واجب دولي" أم "امتياز مشروط"؟
القانونيون يرون أن الأصل في الاتفاقيات هو القبول المشترك، لكن حالة الدول الحبيسة تختلف لأنها تمس حقًا إنسانيًا في التنمية والاتصال بالعالم. ومع ذلك، فإن غياب آليات تنفيذية ملزمة يجعل من تطبيق هذا الحق خاضعًا لمزاج الدول، وتوازنات القوى، وربما أيضًا للابتزاز السياسي.
النقل والموانئ والتجارة: الاقتصاد مرآة الصراع القانوني
تعتمد الدول الحبيسة في تجارتها الخارجية على موانئ الدول المجاورة، وهذا يجعلها رهينةً لحسن نوايا الآخرين. أثيوبيا، مثلًا، كانت تعتمد بالكامل على ميناء جيبوتي قبل أن تتجه لبناء تحالفات مع السودان وإريتريا لتأمين بدائل. وبدورها، تبني الدول الساحلية سياساتها في استضافة أو منع هذا النوع من العبور بناءً على مصالحها السياسية والاقتصادية.
هذا الوضع خلق أنماطًا جديدة من "دبلوماسية النقل"، باتت فيها الاتفاقات اللوجستية ذات طابع سيادي لا يقل حساسية عن القضايا الأمنية.
الأمر يتجاوز الاقتصاد، ليشمل قضايا الطاقة أيضًا. فخطوط أنابيب النفط والغاز العابرة للدول الحبيسة أصبحت محاور صراع بين دول تُريد النفاذ إلى الأسواق، ودول تستخدم خطوط العبور كورقة ضغط لتحقيق مكاسب إقليمية.
النزاعات القانونية: محكمة العدل الدولية شاهدة على الخلافات المزمنة
شهدت الساحة القانونية الدولية قضايا متعددة تتعلق بحقوق الدول الحبيسة، منها ما وصل إلى محكمة العدل الدولية، ومنها ما بقي عالقًا في دهاليز التفاوض السياسي.
أشهر القضايا تعود إلى النزاع بين بوركينا فاسو وبنين حول حرية العبور، وبين سلوفاكيا والمجر حول استخدام نهر الدانوب كممر للنقل. لكن حتى مع صدور أحكام قانونية، فإن التنفيذ يبقى مرتهنًا بالإرادة السياسية.
ومن هنا، يطرح خبراء القانون سؤالًا جوهريًا: ما جدوى القواعد القانونية الدولية إن لم تُرفَق بآليات تنفيذية قسرية أو مشروطة بالعقوبات؟
القانون الدولي لا يملك ذراعًا تنفيذية قادرة على فرض المرور أو إلزام دولة بفتح أراضيها، إلا عبر مجلس الأمن أو أنظمة تحكيم رضائية، وهي وسائل نادرًا ما تُستخدم في مثل هذه القضايا.
الشرق الأوسط نموذجًا: الجغرافيا السياسية تضع القانون في اختبار عسير
في الشرق الأوسط، حيث التوترات المزمنة، تتعقد حقوق الدول الحبيسة بسبب طبيعة العلاقات المتشابكة، وحدود النزاع المفتوحة. فالعراق مثلًا، ورغم أنه يملك منفذًا بحريًا ضيقًا على الخليج العربي، إلا أن الحصار الأميركي السابق منعه من استخدامه بفاعلية، مما أعاد إحياء الحديث عن "عراق شبه حبيس". وكذلك الحال في حالة أذربيجان قبل إعادة بسط سيطرتها على ناغورنو قره باغ، إذ كانت تعتمد على ممرات برية محاطة بالخصوم.
كما أن الوضع في أفغانستان، التي لا تملك منفذًا بحريًا، يطرح نموذجًا مختلفًا من الاعتماد الكامل على إيران وباكستان في الوصول إلى الموانئ، وهو ما جعل سياستها الخارجية مرهونة بمواقف هاتين الدولتين.
في هذه المناطق، تتداخل اعتبارات الجغرافيا مع الدين والعرق والموارد، لتجعل من النقل عبر الدول الحبيسة ساحة اشتباك مكتومة أكثر مما هي ساحة تعاون.
رؤية ختامية: بين القانون والواقع.. السيادة تسبق النص
رغم أن القانون الدولي يعترف صراحةً بحق الدول الحبيسة في النفاذ إلى البحر، فإن التطبيق الواقعي لهذا الحق غالبًا ما يصطدم بجدار السيادة السياسية والمصالح الوطنية. الاتفاقيات موجودة، والنصوص صريحة، لكن الغلبة تبقى دائمًا لمن يملك الميناء، أو يتحكم في المعبر، أو يمتلك التأثير الإقليمي.
إن العالم في حاجة إلى مراجعة آليات تنفيذ الاتفاقات الدولية الخاصة بحقوق النقل والمرور، وإلى بناء توازن قانوني جديد يُراعي واقع الشعوب الحبيسة دون أن يُقحمها في صراعات تُضيف لعزلتها عُزلة جديدة.
فالحق في النقل لم يعد ترفًا جغرافيًا، بل أصبح أساسًا في التنمية، والعدالة، والتكامل الإنساني، وهي قيم لا يليق بالقانون الدولي أن يتغاضى عنها بدعوى السيادة.
اتفاقيات جنيف: كيف قنّنت البشرية قوانين الحرب… وفشلت في إلزام الأقوياء
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ:11 ديسمبر 2025
منذ أن خط الإنسان على ألواح العالم جراحه، والحروب تشقّ الأرض وتزرع الخراب، لم تتوقف محاولات ضبط العنف المنفلت بقواعد قانونية وأخلاقية تحمي من لا يشاركون مباشرة في القتال. وجاءت اتفاقيات جنيف لتكون التجسيد القانوني الأهم لهذا المسعى، محاولة لترويض الوحشية ضمن حدود القواعد الدولية. ولكن، كم نجحت هذه الاتفاقيات؟ وهل التزمت بها الدول الكبرى فعلًا، أم أنها أداة بيد الأقوياء لتجميل الحروب عندما تناسبهم، وتجاهلها حين لا تفعل؟
لحظة التأسيس: من ساحات القتل إلى نصوص القانون
تعود جذور اتفاقيات جنيف إلى منتصف القرن التاسع عشر، حين صُدم رجل الأعمال السويسري "هنري دونان" من هول المجازر التي شهدها في معركة سولفرينو عام 1859. كتب روايته الشهيرة "ذكرى سولفرينو"، فكانت تلك الشرارة التي أشعلت تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في 1863، ثم عقد أول اتفاقية في جنيف عام 1864.
غير أن النقلة الأكبر جاءت بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اجتمعت 64 دولة في مدينة جنيف السويسرية، في 12 آب/أغسطس 1949، لتُقر أربع اتفاقيات تشكّل حجر الأساس للقانون الدولي الإنساني الحديث، وتضمّنت ما مجموعه 429 مادة قانونية تهدف إلى حماية الإنسان في زمن الحرب.
الاتفاقيات الأربع: حماية في وجه النار
الاتفاقية الأولى
لحماية الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان.
وضعَت هذه الاتفاقية قواعد صريحة لحماية العسكريين الجرحى والمرضى، ومنع استهدافهم، ومنحهم حق العلاج والرعاية، وضمان احترام الصليب الأحمر كرمز حيادي.
الاتفاقية الثانية
لحماية الجرحى والمرضى والمنكوبين في البحر.
طبّقت أحكام الاتفاقية الأولى في سياق النزاعات البحرية، وضمنت حماية السفن الطبية، وفرضت على الأطراف المتحاربة احترام وإنقاذ الغرقى والجرحى.
الاتفاقية الثالثة
حول معاملة أسرى الحرب.
أرست القواعد الأساسية لحماية الأسرى من التعذيب والإهانة، وفرضت معاملتهم بكرامة، وتحديد حقوقهم في المأكل والمسكن والرعاية الطبية، ومنعت استخدامهم كورقة ضغط أو رهائن.
الاتفاقية الرابعة
لحماية المدنيين وقت الحرب.
هي الأوسع نطاقًا، وركّزت على حماية السكان المدنيين في المناطق المحتلة، ومنعت العقوبات الجماعية، وجرّمت التهجير القسري، والهجمات العشوائية على المدنيين.
وقد أُلحقت هذه الاتفاقيات لاحقًا ببروتوكولين إضافيين سنة 1977، وثالث عام 2005، توسّعوا في حماية الشعوب في حروب التحرير الوطنية، والنزاعات غير الدولية، وتحديد رموز إضافية للهلال الأحمر والكريستالة الحمراء إلى جانب الصليب الأحمر.
القوة القانونية: هل تكفي لصناعة العدالة؟
تتمتع اتفاقيات جنيف بقوة قانونية مُلزِمة لكل الدول التي صادقت عليها – وهي اليوم تتجاوز 190 دولة – بل حتى غير المصادقة تُلزم بها وفق ما يسمى بـ "القانون العرفي الدولي". وتُعد الانتهاكات الجسيمة لها بمثابة جرائم حرب، تتيح للمجتمع الدولي المطالبة بمحاسبة الجناة.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في النصوص، بل في ميزان القوة. فمنذ الحرب الباردة، استخدمت القوى الكبرى القانون الدولي بشكل انتقائي. فعندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، أو احتلت إسرائيل الضفة وغزة والجولان، أو ارتكبت روسيا جرائم حرب في الشيشان وسوريا، لم تُطبّق الاتفاقيات إلا على الضحايا، بينما أفلت الجناة.
شواهد الانتهاك: من فيتنام إلى غزة
فيتنام (1955–1975): استخدمت أميركا النابالم ضد المدنيين، وخرقت مبدأ التمييز، دون محاسبة.
سجن أبو غريب في العراق: تعذيب وإهانة للأسرى أمام عدسات العالم، ومحاسبة شكلية لبعض الجنود، لا للقيادات.
غزة (2008–2025): قصف ممنهج للمستشفيات والمدارس والمخيمات. استهداف واضح للمدنيين. الأمم المتحدة تدين، لكن لا محكمة تتحرك.
في المقابل، يُلاحَق مقاتلو الفصائل المسلحة، والمنظمات الصغيرة، ويُوصمون بالإرهاب، وتُطبّق عليهم المعايير الصارمة لاتفاقيات لا تملك هم حماية الشعوب، بل تنظيم الحرب حين تكون بيد الأقوياء.
مفارقة القانون الإنساني: حماية أم شرعنة للعنف؟
بينما يرى البعض أن اتفاقيات جنيف خطوة عظيمة في تاريخ البشرية، يؤكد آخرون أنها تُستخدم اليوم لتبرير الحروب أكثر مما تُستخدم لمنعها. فهي لا تحرّم الحرب ذاتها، بل تنظم كيفية إدارتها، مما يُعد إقرارًا ضمنيًا بها كوسيلة مشروعة.
وعليه، فإن هذه الاتفاقيات لم تمنع القصف الجوي الأميركي على الصرب، ولا اجتياح إسرائيل للبنان، ولا حرب روسيا على أوكرانيا. لكنها تُفعّل حين يكون الخصم ضعيفًا، ويحتاج إلى "شرعنة" معاقبته أمام الرأي العام العالمي.
هل تحتاج الاتفاقيات إلى إصلاح أم إلى إرادة سياسية؟
أمام هذا الواقع، يبرز تساؤل جوهري:
هل المشكلة في القانون أم في السياسة؟
هل تحتاج اتفاقيات جنيف إلى تطوير آليات إنفاذ صارمة، تُجبر الأقوياء على احترامها، أم أن القانون لا يمكنه تجاوز واقع القوة؟
إنّ غياب آلية تنفيذ حقيقية (مثل جيش دولي محايد أو محكمة ذات أنياب) يجعل القانون الدولي الإنساني سيفًا من خشب، يتفاخر به الدبلوماسيون، بينما تستمر المذابح دون توقف.
رؤية خاصة
تُعد اتفاقيات جنيف إنجازًا حضاريًا مهمًا، لكنها ليست نهاية الطريق. فالقانون دون إرادة سياسية ومؤسسات محايدة يبقى حبرًا على ورق. المطلوب اليوم ليس فقط التمسك بروح هذه الاتفاقيات، بل إعادة صياغة أدوات إلزامها، وبناء منظومة عدالة دولية مستقلة فعليًا، لا خاضعة لمجلس الأمن ومصالح الدول الكبرى.
وفي زمن تصحو فيه شعوب الأرض على مشاهد غزة، والضفة، وميانمار، والسودان، بات من الضروري أن تعود البشرية إلى جذورها الأولى… إلى صرخة هنري دونان التي قالت للعالم: حتى الحروب يجب أن تحترم كرامة الإنسان.
الاتفاقيات الكبرى للقانون الإنساني: كيف صاغت اتفاقيات جنيف الأربعة ملامح الحماية في زمن الحرب؟
بقلم: د. أيمن خالد
كاتب وباحث في القانون الدولي
التاريخ:11 ديسمبر 2025
لم يكن القانون الدولي الإنساني دائمًا بهذا الوضوح الذي نراه في أدبياته الحديثة. ففي خضم قرون من الحروب، ظلت حماية المدنيين والأسرى جهدًا متفرقًا، لا تجمعه منظومة واحدة، ولا تضمنه قواعد نافذة. لكن منتصف القرن العشرين شهد ولادة مجموعة من الاتفاقيات شكّلت حجر الأساس لهذا القانون: إنها اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949.
ولأن هذه الاتفاقيات لا تزال تمثّل المرجع الأول في معالجة جرائم الحرب والانتهاكات المسلحة، فإنّ فهم خلفيتها التاريخية، وبنيتها القانونية، ونطاق تطبيقها، بات ضرورة لكل باحث في الشأن الدولي، وكل مراقب للعدالة الجنائية العالمية.
من ساحة المعركة إلى قاعات التفاوض: كيف وُلدت اتفاقيات جنيف؟
تعود جذور اتفاقيات جنيف إلى مبادرة رجل واحد، هو السويسري "هنري دونان"، الذي صُدم عام 1859 من مشاهد الجنود الجرحى في معركة "سولفرينو" بين الجيشين الفرنسي والنمساوي. وقد ألهمته هذه المشاهد لتأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، والدعوة إلى عقد اتفاقيات تحمي الجرحى والمصابين في الحرب.
ثم جاء أول اتفاق دولي عام 1864 تحت عنوان "اتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى العسكريين في الميدان"، لكن سلسلة الحروب في مطلع القرن العشرين، خاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية، بيّنت محدودية هذه الاتفاقيات وضرورة تطويرها.
وبالفعل، عُقد مؤتمر دبلوماسي كبير في جنيف، سويسرا، في الفترة من 21 نيسان/أبريل إلى 12 آب/أغسطس 1949، وخرجت عنه أربع اتفاقيات جديدة، وقّعت عليها أغلب دول العالم، وأصبحت العمود الفقري للقانون الدولي الإنساني الحديث.
الاتفاقية الأولى: حماية الجرحى والمرضى في القوات المسلحة البرية
تنص هذه الاتفاقية على التزام الأطراف المتحاربة برعاية الجرحى والمرضى من الجنود دون أي تمييز، وتحييد المنشآت الطبية العسكرية، وضمان احترام شعار الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر.
وقد طبقت هذه الاتفاقية في مئات الحالات، مثل حروب فيتنام وإيران–العراق، كما أنها تشكل اليوم أساسًا لمحاكمة من يعتدي على المستشفيات أو سيارات الإسعاف في النزاعات المسلحة.
الاتفاقية الثانية: حماية الجرحى والمرضى في البحر
تكمل هذه الاتفاقية الأولى، ولكنها مخصصة للنزاعات البحرية. فهي تضمن إنقاذ ورعاية الجنود الجرحى والغرقى من القوات البحرية، حتى وإن كانوا من قوات العدو، وتوجب احترام السفن الطبية، وتحظر استهدافها أو اعتراضها.
وقد استندت هذه الاتفاقية مثلًا إلى محاكمة بعض الجرائم في الحرب بين المملكة المتحدة والأرجنتين في جزر فوكلاند، عندما جرى التحقيق في استهداف سفينة "غنرال بلغرانو" الأرجنتينية رغم ابتعادها عن ساحة القتال.
الاتفاقية الثالثة: معاملة أسرى الحرب
تعد هذه الاتفاقية من أكثر الاتفاقيات وضوحًا وتفصيلًا، إذ تنص على حقوق الأسرى منذ لحظة اعتقالهم حتى إعادتهم إلى أوطانهم، وتشمل:
الحظر على التعذيب أو الإذلال
توفير الغذاء والمسكن والرعاية الطبية
الحق في مراسلة ذويهم
المعاملة بالمثل بين أطراف النزاع
وقد كانت هذه الاتفاقية أساسًا لاتهام الولايات المتحدة بارتكاب انتهاكات في معتقل "غوانتانامو"، حيث وُضع المعتقلون في ظروف خارجة عن القانون الدولي، بحجة أنهم "مقاتلون غير شرعيين"، وهو تصنيف طعن فيه كثير من فقهاء القانون الدولي.
الاتفاقية الرابعة: حماية المدنيين في زمن الحرب
وهي الأكثر شمولًا وتعقيدًا، وقد جاءت كرد على مآسي الحرب العالمية الثانية، التي شهدت إبادة جماعية، وتهجيرًا قسريًا، وجرائم بحق المدنيين غير المقاتلين. تنص هذه الاتفاقية على:
تحريم استهداف المدنيين أو تهجيرهم
منع احتجازهم تعسفيًا
ضمان الرعاية الصحية والغذاء لهم
حماية النساء والأطفال من العنف والاغتصاب
منع العقوبات الجماعية
وتُعد هذه الاتفاقية من أهم الأسس القانونية لإدانة إسرائيل في كثير من انتهاكاتها في الضفة الغربية وغزة، خاصة في ما يتعلق بالحصار، وقصف الأحياء السكنية، والتجويع الممنهج، والاعتقال الإداري.
البروتوكولات الإضافية: تطوير القانون لمواكبة النزاعات الحديثة
لم تتوقف منظومة جنيف عند 1949، بل أُضيفت إليها بروتوكولات في عامي 1977 و2005، لملاءمة الاتفاقيات مع التغيرات في طبيعة الحروب، مثل:
النزاعات الداخلية
الجماعات المسلحة غير النظامية
استخدام الأسلحة الجديدة مثل الطائرات المسيّرة أو الأسلحة البيولوجية
ومن خلال هذه البروتوكولات، أصبح بالإمكان مساءلة الأنظمة التي ترتكب مجازر بحق شعوبها، كما في سوريا قبل سقوط النظام، أو في ميانمار، أو إثيوبيا، دون الحاجة إلى أن يكون النزاع بين دولتين.
الإلزامية والعقوبات: هل يمكن أن تحاكم الدول بسبب انتهاك اتفاقيات جنيف؟
نعم. فهذه الاتفاقيات تُعد جزءًا من القانون الدولي العرفي، وتلزم الدول الموقعة عليها، بل حتى غير الموقعة في حالات معينة. وقد أُنشئت بموجبها عدة آليات للمساءلة:
لجان تقصي الحقائق
محكمة العدل الدولية (ICJ)
المحكمة الجنائية الدولية (ICC)
المحاكم الخاصة كما حدث في يوغوسلافيا ورواندا
وقد اعتُبرت مجزرة "سربرنيتسا" في البوسنة (1995) انتهاكًا مباشرًا لاتفاقية جنيف الرابعة، وأدين القادة الصرب على هذا الأساس. كما استُند إلى هذه الاتفاقيات في محاكمة الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور، والجنرال الصربي راتكو ملاديتش.
ماذا عن الواقع العربي؟ غياب التفعيل رغم وضوح النصوص
رغم توقيع معظم الدول العربية على اتفاقيات جنيف، فإن واقع الحروب والنزاعات الأهلية والاحتلالات يُظهر ضعفًا كبيرًا في تفعيلها. فعلى سبيل المثال:
في العراق، لم تُفعّل هذه الاتفاقيات لحماية المدنيين في الفلوجة أو الموصل
في سوريا، تم تجاهلها خلال القصف الكثيف للمناطق المدنية
في اليمن، حوصرت المدن وقُطعت الإمدادات الطبية والغذائية
في فلسطين، ارتكبت إسرائيل انتهاكات بالجملة دون ردع قانوني حقيقي
ويرجع هذا القصور إلى غياب الإرادة السياسية، وتوظيف الدول الكبرى لمصالحها فوق الاعتبارات القانونية.
رؤية خاصة: القانون الإنساني بين المثال والمأساة
رغم أن اتفاقيات جنيف تمثّل ذروة التوافق الدولي لحماية الإنسان في زمن الحرب، إلا أنها تصطدم بثلاث مشكلات رئيسية:
غياب آليات تنفيذ إلزامية فعالة دون إرادة مجلس الأمن
غلبة التسييس على مؤسسات العدالة الجنائية الدولية
اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الميداني
لكن هذه الاتفاقيات تبقى حقلًا قانونيًا حيويًا يتيح للمجتمع الدولي محاسبة الجناة، ويوفر أرضية أخلاقية وقانونية لتوثيق الجرائم، وبناء وعي حقوقي رافض للتوحش والحروب غير المشروعة.
إن الدفاع عن اتفاقيات جنيف هو دفاع عن الإنسانية ذاتها.
المعاهدات في زمن الإكراه: بين قواعد الاتفاق الرضائي ومآلات القوة القاهرة في القانون الدولي
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ:11 ديسمبر 2025
المقدمة
تستند الشرعية القانونية في العلاقات الدولية إلى مبدأ أساسي: احترام إرادة الدول وسيادتها في عقد المعاهدات والاتفاقيات. لكن، ماذا لو فُرضت معاهدة تحت التهديد أو في خضم احتلال عسكري؟ كيف يعالج القانون الدولي هذه الحالات؟ وهل تملك الدول المقهورة الحق في إبطال ما تم فرضه بالقوة؟ إن النقاش حول "المعاهدات غير المتكافئة" يعكس الصراع المزمن بين النص القانوني والواقع السياسي، ويفتح الباب أمام مراجعة كبرى لمسؤولية المجتمع الدولي في مواجهة ما يُعرف بـ"الشرعية الزائفة".
أولًا: الإكراه في القانون الدولي – القاعدة والنص
ينص اتفاق فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 في مادته الـ52 بوضوح على أن:
"تُعد المعاهدة باطلة إذا تم إبرامها نتيجة لتهديد أو استخدام القوة بالمخالفة لمبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة."
هذه المادة تُشكّل حجر الزاوية في تحديد بطلان المعاهدات التي تُبرم تحت ظروف الإكراه، سواء أكان عسكريًا مباشرًا، أو تهديدًا مبطنًا بوسائل اقتصادية أو أمنية.
لكن رغم وضوح النص، لم يُسجَّل في التاريخ الحديث سوى حالات قليلة أعلنت فيها محكمة دولية بطلان معاهدة بسبب الإكراه، ما يدل على الفجوة بين النص والتطبيق.
ثانيًا: المعاهدات الاستعمارية نموذجًا للإكراه
أمثلة المعاهدات التي أبرمت تحت الاحتلال أو تحت تهديد القوة كثيرة:
معاهدة سيفر 1920 التي فُرضت على الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وقُسمت بموجبها أراضيها دون أي توازن قوى، قبل أن تُلغى فعليًا بعد ثورة كمالية وتُستبدل باتفاقية لوزان 1923.
معاهدة فرساي 1919 المفروضة على ألمانيا، والتي حمّلتها مسؤولية الحرب العالمية الأولى وفرضت عليها تعويضات ضخمة، وشكّلت لاحقًا أرضًا خصبة لصعود النازية ورد الفعل العنيف.
الاتفاقيات النفطية في بعض الدول العربية مع شركات أجنبية أو قوى استعمارية، والتي صيغت في ظروف غياب الإرادة السيادية الحرة، ولا تزال آثارها القانونية والمالية قائمة حتى اليوم.
ثالثًا: قوة "الرّضا" الشكلية وإشكالية البُطلان
يرى بعض فقهاء القانون الدولي أن المعاهدات تُفترض صحيحة طالما وُقّعت من قبل ممثلين رسميين للدولة، حتى لو كانت الظروف المحيطة غير متكافئة. لكن هذا الطرح يتجاهل وجود ما يُعرف بـ"الرّضا الشكلي"، أي الموافقة القهرية تحت ضغط ميداني أو سياسي.
وهنا يُطرح السؤال: ما الفرق بين إرادة تمثّل الدولة بحق، وإرادة تخضع لمن يمارس السيطرة الفعلية على القرار السيادي؟
وهذا ما دفع بعض الدول إلى إعادة التفاوض حول معاهدات موروثة عن فترة الاستعمار، باعتبارها غير عادلة أو مخالفة لحق تقرير المصير، مثلما فعلت الجزائر مع فرنسا في قضايا النفط والذاكرة.
رابعًا: المحكمة الدولية والاختصاص القضائي
يُشكل التوجّه إلى محكمة العدل الدولية مسارًا نادرًا ومحدودًا لإبطال معاهدة بسبب الإكراه، بسبب اشتراط موافقة الطرفين على المثول أمام المحكمة. وهذا يعيد إنتاج إشكالية توازن القوة، إذ أن الدولة الأقوى ترفض غالبًا هذا الخيار.
ومن الأمثلة التي عُرضت على المحكمة: قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (1986) حيث ثبت أن الأخيرة مارست ضغطًا عسكريًا واقتصاديًا لإرغام نيكاراغوا على تغيير توجهاتها السياسية، لكن المحكمة لم تبطل معاهدة معينة، بل أدانت السياسات الأميركية عمومًا.
خامسًا: هل يحق المطالبة بالتعويض؟
في حال ثبت أن معاهدة ما أُبرمت بالإكراه، فهل للدولة المتضررة الحق بالمطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بها؟
من الناحية القانونية، نعم. ويُمكن الاستناد إلى مبدأ المسؤولية الدولية للدولة عن الأفعال غير المشروعة كما جاء في مشروع لجنة القانون الدولي لعام 2001، والذي يتيح المطالبة بجبر الضرر، والإصلاح، والتعويض.
لكن من الناحية الواقعية، فإن هذه المطالبات غالبًا ما تصطدم بعقبات سياسية، أو تُحل بصفقات تفاوضية بعيدة عن المحاكم، كما حصل في حالات المطالبة بإلغاء اتفاقيات الغاز أو المياه أو الامتيازات الاستثمارية المجحفة في عدد من الدول الإفريقية والعربية.
سادسًا: بين النص والواقع – مأزق القانون الدولي
المشكلة الأعمق تكمن في أن القانون الدولي ما زال رهينة إرادة الدول الأقوى. فالدول الكبرى تحتفظ بحق النقض في مجلس الأمن، وتُحدد معايير المشروعية غالبًا وفق مصالحها، وتُفصّل القانون على مقاسها، بما يجعل من مبدأ "عدم الإكراه" مجرد ورقة تفاوضية.
ولهذا، يطالب عدد من الفقهاء بإعادة النظر في نظام الشرعية الدولية، وتفعيل مبدأ "العدالة العقدية" بين الدول، ليكون القانون ملزِمًا بالفعل، لا مجرد أداة تجميل للهيمنة.
خاتمة: من أجل قانون لا يخضع للمنتصر
إنّ إبطال المعاهدات المفروضة بالإكراه ليس فقط حقًا قانونيًا، بل هو شرط لتحقيق العدالة الدولية. فالمعاهدة التي تنشأ تحت فوهة البندقية لا تُنتج سلامًا، بل تؤسس لجولات صراع جديدة.
وإن بناء نظام دولي قائم على احترام الإرادة الحرة، والمساواة بين الدول، ومساءلة من يستخدم القوة لفرض الاتفاقات، هو الطريق الوحيد لتحويل القانون الدولي من خطاب أخلاقي إلى أداة فعل حقيقية.
رؤية خاصة
إن اللحظة الراهنة التي يشهد فيها العالم انكشاف توازنات القوة والهيمنة، توفّر فرصة لإعادة النظر في كل الاتفاقيات التي تمّت في ظروف غير عادلة، من اتفاقيات الاستسلام، إلى اتفاقيات الموارد، وصولًا إلى معاهدات التطبيع القسري.
وإذا لم يتحرّك المجتمع الدولي لإحقاق هذه العدالة المؤجلة، فستبقى الشرعية الدولية مجرّد ديكور يُستخدم حينما يشاء الأقوياء… ويُنسى حين يطالب به الضعفاء.
المساعدات الإنسانية بين الشرعية الدولية والتوظيف السياسي: قراءة قانونية في ازدواج المعايير
بقلم: د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ:11 ديسمبر 2025
منذ نشوء القانون الدولي الإنساني، اعتُبر إيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المتضررين من النزاعات المسلحة حقًا لا يقبل الانتقاص. إلا أن تطبيق هذا المبدأ واجه تحديات كبرى تتعلّق بتسييس المساعدات، والتلاعب بها، أو استخدامها كأداة ضغط لتحقيق أهداف جيوسياسية. وبينما يقرّ القانون الدولي بحق الشعوب في تلقي الإغاثة، تُمارَس على الأرض ازدواجية فاقعة بين نصوص القانون وسلوك الدول، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مصداقية النظام الدولي ذاته.
أولًا: الإطار القانوني للمساعدات الإنسانية
تُعدّ اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وخاصة الاتفاقية الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب، أساسًا قانونيًا واضحًا لتقديم المساعدات، وقد نصّت المادة 23 منها على السماح بحرية مرور الإمدادات الإنسانية للمدنيين. كما أُكد ذلك في البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، والمادة 70 منه تحديدًا، التي شددت على واجب أطراف النزاع في السماح بتوصيل المساعدات الإنسانية العاجلة للمدنيين دون تمييز.
كما أن المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة تلزم القوة المحتلة بضمان تزويد السكان المدنيين بالغذاء والدواء، بما في ذلك التعاون مع المنظمات الإنسانية. وهذا الإلزام لا يُخضع المساعدات لشروط سياسية أو عسكرية، بل يجعلها حقًا إنسانيًا يتقدّم على أي اعتبارات أخرى.
ثانيًا: الممارسة الدولية ومظاهر التسييس
رغم وضوح الإطار القانوني، إلا أن الممارسة الدولية تُظهر عكس ذلك تمامًا. المساعدات كثيرًا ما تُستخدم كسلاح سياسي:
حصار غزة مثالًا: تمنع إسرائيل بشكل ممنهج دخول المساعدات إلى غزة، وتتحكم في نوعيتها وكمياتها وتوقيتها، رغم الكارثة الإنسانية المستمرة. المبرر الأمني المزعوم لا يبرر حرمان مليوني مدني من الغذاء والدواء، وهو انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف ولقواعد القانون الدولي العرفي.
سوريا في عهد الأسد: تم منع دخول المساعدات إلى مناطق المعارضة بين 2013 و2020، واستُخدمت كسلاح للتجويع الجماعي، في سياسة موثقة من قبل الأمم المتحدة ومنظمات دولية، لكنها لم تلقَ ردعًا قانونيًا دوليًا.
اليمن: سيطرة الحوثيين على المساعدات واستخدامها لإخضاع السكان في مناطقهم، مقابل منع التحالف بقيادة السعودية دخول مواد إغاثية حيوية بذريعة "منع التهريب"، كلّ ذلك يبرز كيف أصبحت المساعدات أداة في يد أطراف النزاع، لا وسيلة لحماية المدنيين.
ثالثًا: ازدواجية المعايير في التعامل الدولي
يُلاحظ بوضوح أن الدول الغربية الكبرى تمارس ازدواجية مفضوحة في تطبيق مبادئ المساعدات الإنسانية:
تدعو واشنطن ولندن وباريس إلى إدخال المساعدات إلى أوكرانيا دون قيد أو شرط، وتُدين روسيا إن أعاقت ذلك، بينما تصمت تمامًا أو تبرّر حصار غزة أو رفض إدخال المساعدات إليها.
تُركّز وكالات الأمم المتحدة على استجابة الكوارث في مناطق معينة، بينما تُخفّف لهجتها أو تتهرّب من اتخاذ مواقف حاسمة في أزمات كبرى أخرى، ما يثير الشكوك حول حيادها أو استقلاليتها عن القوى المهيمنة.
هذه الازدواجية تمثّل تقويضًا لجوهر القانون الدولي، وتُضعف ثقة الشعوب المتضررة بالمؤسسات الأممية والمنظومة الحقوقية برمتها.
رابعًا: أدوات الرد القانوني الممكنة
رغم هذا الواقع، فإن هناك أدوات قانونية قائمة يمكن توظيفها:
المسؤولية الدولية: يمكن تحميل الدولة التي تمنع المساعدات مسؤولية قانونية أمام القضاء الدولي، كما ينص مشروع لجنة القانون الدولي لعام 2001 بشأن المسؤولية الدولية.
تفعيل آليات التحقيق الأممية: للمجلس الأممي لحقوق الإنسان صلاحية تشكيل لجان تقصّي حقائق، وقد سبق أن شكّلت لجانًا حول سوريا واليمن وغزة، لكن تقاريرها بقيت غير ملزمة، ويجب المطالبة بتحويلها إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية.
استخدام قواعد القانون العرفي: حيث يُعدّ تجويع المدنيين جريمة حرب، بموجب المادة 8/2/ب/25 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
خامسًا: نحو مفهوم إنساني شامل للمساعدات
لا بدّ من إعادة تعريف فلسفة المساعدات الإنسانية من منظور قانوني–إنساني مشترك، يستند إلى المبادئ الأربعة الأساسية: الحياد، الإنسانية، الاستقلال، وعدم التحيز. ويُفترض أن تكون أي عملية مساعدات خاضعة لمساءلة قانونية وليست خاضعة للصفقات السياسية أو المزاج الدولي.
وهنا تظهر أهمية دور الشعوب ومنظمات المجتمع المدني، في توثيق الانتهاكات، والضغط من أجل محاسبة المتورطين في منع المساعدات، سواء كانوا دولًا أم منظمات أم جماعات مسلحة.
خاتمة: رؤية خاصة
المساعدات الإنسانية يجب أن تظل شأنًا إنسانيًا لا سياسيًا. لكن في عالم تحكمه المصالح والقوة، صار حق الحياة خاضعًا للتفاوض. هذه ليست مجرد أزمة تطبيق قانون، بل أزمة في شرعية النظام الدولي نفسه، حين يُجيز لبعض القوى استخدام القانون كأداة انتقائية.
ولذلك، فإن إعادة الاعتبار للقاعدة القانونية المحايدة، والعمل على تفكيك هيمنة الكبار على أدوات المساعدات، يُعدّان من أولويات استعادة الثقة بالقانون الدولي وبتوازن العدالة على هذا الكوكب.
المسؤولية الدولية عن دعم الأنظمة القمعية: هل يمكن محاسبة الحكومات المتواطئة؟
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ:11 ديسمبر 2025
يطرح القانون الدولي الحديث إشكالية عميقة حين يتعلق الأمر بدور بعض الدول في دعم أنظمة قمعية تنتهك حقوق الإنسان على نطاق واسع. فبينما يُفترض أن النظام الدولي قد ارتقى إلى درجة من التنظيم والالتزام تمنع الدول من مساندة القهر السياسي والانتهاكات الجسيمة، تكشف التجارب السياسية عن نمطٍ خطير من "التواطؤ الدولي المشروع"، حيث تتحوّل بعض العواصم الكبرى إلى ملاذٍ للحصانة أو إلى داعم فعلي في استمرار الأنظمة الاستبدادية.
في هذا المقال، نناقش المدى القانوني والسياسي للمسؤولية الدولية عن دعم الأنظمة القمعية، مستندين إلى نصوص القانون الدولي، وتفسيرات لجنة القانون الدولي، وأحكام محكمة العدل الدولية، إضافة إلى أمثلة معاصرة بارزة.
التواطؤ الدولي: من التواطؤ السياسي إلى المسؤولية القانونية
عرف الفقه الدولي مصطلح "المسؤولية عن المساعدة أو المشاركة في فعل غير مشروع"، حيث تشير المادة 16 من مشروع لجنة القانون الدولي لعام 2001 بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال الدولية غير المشروعة، إلى أن:
"تكون الدولة مسؤولة دوليًا إذا ساعدت دولة أخرى في ارتكاب فعل غير مشروع، وكانت على علم بظروفه، وأسهمت فيه بشكل ملموس."
المادة تُفصّل بوضوح أن الدعم لا يشترط أن يكون مباشراً، بل يكفي أن تعلم الدولة الداعمة بأن النظام الآخر يرتكب انتهاكات جسيمة، ومع ذلك تُقدّم له المساعدة المالية أو العسكرية أو الاستخبارية.
تُفصح هذه القاعدة عن خطورة التواطؤ الغربي في دعم ديكتاتوريات العالم الثالث. فحين تزوّد دولة ديمقراطية حليفها المستبد بالسلاح أو الأموال أو المعلومات، مع علمها المسبق بانتهاكاته، فإنها لا تكون بريئة أمام القانون الدولي.
الأمثلة الواقعية: بين الحماية والدعم
لعل أبرز الأمثلة التي تستحضرها الأذهان في هذا السياق:
الدعم الأميركي لأنظمة ديكتاتورية في أميركا اللاتينية خلال القرن العشرين، ومنها دعم انقلاب بينوشيه في تشيلي (1973) الذي وثّقته لجنة التحقيق الوطنية التشيلية بوضوح.
التورط الفرنسي في رواندا، حيث اتهمت عدة تقارير الأمم المتحدة وفرق تحقيق دولية باريس بمساعدة حكومة الهوتو التي ارتكبت الإبادة الجماعية عام 1994، عبر التدريب والتسليح والتغطية السياسية.
الدعم الروسي لنظام الأسد في سوريا، من خلال التغطية الدبلوماسية في مجلس الأمن والدعم العسكري الواسع، في ظل ارتكاب النظام لانتهاكات موثقة ضد المدنيين.
التعاون الأمني بين إسرائيل وبعض الحكومات القمعية في العالم العربي، حيث تُنقل تقنيات المراقبة والتجسس التي تُستخدم في ملاحقة المعارضين، كما كشفت تسريبات "بيغاسوس".
هذه الأمثلة تضع الدول الكبرى في موقف قانوني شائك: فهي تُدين الانتهاكات نظريًا، لكنها تشارك فعليًا في تمكين المستبدين من الإفلات والمواصلة.
معضلة المحاسبة: أين يقف القانون الدولي؟
رغم وضوح المواد القانونية، إلا أن المحاسبة تظل شبه غائبة لأسباب متعددة:
غياب آلية دولية ملزمة تفرض تنفيذ قواعد المسؤولية الدولية على الدول القوية.
غلبة التوازنات السياسية على إرادة المجتمع الدولي في المساءلة.
تذرّع الدول بالسيادة الوطنية أو مبدأ "عدم التدخل" لتبرير دعمها لأنظمة أخرى.
استخدام "محاربة الإرهاب" أو "حماية المصالح القومية" كغطاء لدعم الاستبداد.
وهنا يظهر عجز القانون الدولي المعاصر عن فرض إلزام أخلاقي–سياسي حقيقي، وتحقيق العدالة خارج إطار القوة والتكتلات.
محكمة العدل الدولية: سوابق مهمة ولكن محدودة
رغم ندرة القضايا، إلا أن محكمة العدل الدولية قدمت سوابق مهمة منها:
قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (1986)، حيث أدانت المحكمة واشنطن لدعمها "الكونترا" ضد الحكومة النيكاراغوية، معتبرة أن المساعدات الأميركية أسهمت في أفعال غير مشروعة.
قضية البوسنة ضد صربيا (2007)، حيث أقرّت المحكمة بمسؤولية صربيا عن الإخفاق في منع الإبادة، لكنها لم تجد أنها كانت مسؤولة مباشرة، ما كشف ثغرات في إثبات "المشاركة النشطة".
هذه الأحكام تُظهر أن إثبات نية المشاركة ووجود مساهمة ملموسة يمثلان عقبة كبيرة أمام تفعيل المسؤولية الدولية.
القانون الجنائي الدولي: ملاحقة الأفراد لا الدول
يُعد القانون الجنائي الدولي أداة أقوى في بعض السياقات، لأنه يُحاسب الأفراد، لا الدول، مثل:
المسؤولين الذين يصدرون أوامر الدعم.
الضباط الذين ينسقون عمليات عسكرية.
الدبلوماسيين الذين يغطون الانتهاكات في المحافل الدولية.
إلا أن تطبيقه يظل انتقائيًا، كما رأينا في إفلات كثير من حلفاء الدول الكبرى من الملاحقة، على عكس قادة دول أضعف.
هل من مستقبل للمحاسبة؟ آفاق وتحولات محتملة
في ضوء تطور القانون الدولي ووسائل التوثيق الرقمي والمحاسبة الشعبية، يمكن الحديث عن آفاق جديدة:
دور المحكمة الجنائية الدولية قد يتوسع مع ضغط المجتمع المدني، كما حدث في قضايا فلسطين والسودان.
التحقيقات البرلمانية الداخلية في بعض الدول الديمقراطية (كما في ألمانيا وهولندا) قد تُحدّ من تمويل الأنظمة القمعية.
اللجوء إلى المحاكم الوطنية في قضايا عالمية عبر مبدأ "الولاية القضائية العالمية"، كما حدث في محاكمة ضباط سوريين في ألمانيا.
استخدام أدوات العقوبات الدولية الذكية (مثل قانون ماغنيتسكي) لمعاقبة الأفراد والكيانات المتورطة.
لكن كل هذا يتطلب إرادة دولية وقانونية وشعبية ضاغطة، وإلا ظل النظام الدولي يُدين الظلم في العلن ويُموله في الخفاء.
ختامًا: شرعية القانون مقابل منطق القوة
في عالم تحكمه المصالح، لا تكفي النصوص لتغيير المعادلات. فالقانون الدولي، رغم صلابته المفهومية، يبقى ضعيفًا في وجه "التحالفات غير الأخلاقية" بين الديمقراطيات وأنظمة القهر.
لكن هذا لا يلغي أهمية التوثيق، والملاحقة، والإدانة، وإبقاء السجلات مفتوحة. فكل دعم موثق لانتهاك، هو أثر جنائي مؤجّل، قد يتحوّل في لحظة سياسية مناسبة إلى محاكمة مفصلية، كما حدث في رواندا ويوغوسلافيا وأماكن أخرى.
والسؤال الباقي: متى تتحول القيم القانونية إلى أدوات ردع حقيقية، لا مجرد بيانات شجب في مؤتمرات دولية؟
مسؤولية القانون الدولي عن تسليم اللاجئين والمعارضين السياسيين: بين المبادئ والانتهاكات
د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في القانون الدولي
التاريخ:11 ديسمبر 2025
أولًا: مبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون الدولي
يُعد مبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-Refoulement) حجر الزاوية في حماية اللاجئين والمعارضين السياسيين من التسليم إلى دول قد يتعرضون فيها للاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية. وقد تم تكريسه صراحة في:
المادة 33 من اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين:
"لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد لاجئًا أو أن تعيده بأي صورة إلى حدود الأقاليم التي تكون حياته أو حريته مهددة فيها بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية".
ويمتد هذا المبدأ ليشمل المعارضين السياسيين بموجب:
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 7)
اتفاقية مناهضة التعذيب (المادة 3)
وقد أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Soering v. United Kingdom عام 1989، أن تسليم شخص معرض لخطر المعاملة غير الإنسانية ينتهك المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
التطبيقات:
التزام الدول بعدم تسليم المعارضين إلى بلدان يُخشى فيها تعرضهم للاعتقال التعسفي أو التعذيب أو الاضطهاد السياسي.
توفير آليات لجوء وتقييم فردي لمدى الخطر الذي قد يتعرض له الشخص.
ثانيًا: تسليم المعارضين واللاجئين السياسيين بين الشرعية والانتهاك
رغم وضوح القواعد، تشهد السنوات الأخيرة تكرار حالات تسليم لاجئين سياسيين أو معارضين من دول تُعد آمنة إلى دول تُعرف بسجلها في انتهاكات حقوق الإنسان، في سياق صفقات سياسية أو ضغوط دبلوماسية.
نماذج من الواقع:
تسليم تركيا للمعارضين المصريين بين 2014–2017، قبل أن تغيّر أنقرة نهجها لاحقًا.
تسليم عبد السلام بوران من السودان إلى مصر عام 1994 رغم لجوئه.
محاولة تسليم الصحفي رضا شحاته من قطر لمصر في ظروف غامضة عام 2016.
الحكم القضائي البريطاني في قضية جوليان أسانج والذي أُخضع لرقابة قانونية عالية المستوى نظرًا للمخاوف من التعذيب في الولايات المتحدة.
التوصيف القانوني:
هذه الحالات قد تُصنّف باعتبارها خرقًا صارخًا للمادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب، والمادة 33 من اتفاقية اللاجئين.
كما يُمكن اعتبارها جريمة دولية إذا ثبت أن التسليم نُفذ رغم علم الدولة المُسلِّمة بخطورة الأوضاع في بلد الاستقبال.
ثالثًا: دور القضاء الوطني والقضاء الدولي
يلعب القضاء دورًا متباينًا بحسب كل دولة، لكن تظل قرارات بعض المحاكم مرجعًا قانونيًا مهمًا:
على المستوى الوطني:
مجلس الدولة الفرنسي في قضية تسليم المعارضين التونسيين سنة 2012 رفض التسليم رغم مذكرة الانتربول.
المحكمة العليا في المملكة المتحدة في قضايا التسليم إلى روسيا، رفضت التسليم نظرًا لمخاطر التعذيب.
على المستوى الدولي:
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أكدت مرارًا أن على الدول التحقيق في المخاطر قبل تنفيذ قرارات التسليم (قضية M.S.S. v. Belgium and Greece، 2011)
اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب أصدرت عشرات الملاحظات الختامية تدين الدول التي تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية.
رابعًا: قرارات الأمم المتحدة وهيئات الرقابة الدولية
تتابع الأمم المتحدة بشكل حثيث قضايا تسليم اللاجئين والمعارضين السياسيين:
المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) تُصدر مذكرات توصية وتطلب من الدول وقف التسليمات عند الاشتباه بانتهاك الحقوق.
اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أصدرت قرارات بشأن حالات تسليم تمت دون مراعاة الإجراءات.
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أدان عدة دول بسبب التعاون الأمني في ملاحقة اللاجئين السياسيين.
وتُعد الوثيقة التفسيرية الصادرة عن اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب (General Comment No. 4, 2017) مرجعًا مهمًا في شرح التزامات الدول بعدم الإعادة القسرية، وتوسيع نطاق الحماية لتشمل من لم يحصلوا بعد على صفة لاجئ رسمي.
خامسًا: ضعف الآليات الإلزامية والعقابية
رغم وجود عدد من القواعد الملزمة، تظل آليات العقاب أو الردع محدودة، ما يجعل بعض الدول تتمادى في التسليمات غير القانونية.
التحديات:
غياب جهة تنفيذية مركزية تُجبر الدول على احترام قرارات الحماية.
تحكم الاعتبارات السياسية في تسليم الأشخاص أكثر من احترام الحقوق.
المخرجات:
ضرورة تعزيز دور الآليات التعاقدية مثل لجان العهد الدولي ومناهضة التعذيب.
تفعيل المحاكم الإقليمية مثل المحكمة الأفريقية والمحكمة الأوروبية.
سادسًا: المسؤولية الدولية والتعويض عن الأضرار
عندما تُسلم دولة شخصًا معرضًا للخطر دون دراسة كافية، وتتعرض حياته أو حريته للأذى، فإنها تتحمل مسؤولية قانونية دولية.
تنص مسودة لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا (2001) على أنه:
“إذا ارتكبت دولة فعلاً غير مشروع دوليًا، فإن عليها التزامًا بتحمل تبعات ذلك، ومنها التعويض”.
يحق للضحية – أو ذويه – المطالبة بالتعويض أمام المحاكم الدولية أو الوطنية المختصة.
ومن أبرز التطبيقات قضية Chahal v. United Kingdom أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي أثبتت حق الضحية في الحماية والتعويض.
خاتمة: نحو تفعيل فعلي للحماية القانونية
رغم وضوح المبادئ القانونية الدولية، فإن احترامها في الواقع السياسي يظل رهينًا بمدى استقلالية القضاء، وحيادية السياسة، وقدرة المجتمع المدني على الضغط. ومن الضروري:
تعزيز الوعي داخل القضاء الوطني بمبدأ عدم الإعادة القسرية.
دعم عمل المنظمات الحقوقية في متابعة قضايا اللاجئين والمعارضين السياسيين.
إنشاء شبكة دولية لحماية اللاجئين السياسيين، تشمل تدخلات سريعة لمنع التسليم، وتقديم دعم قانوني مباشر.
وإلا فإن الاستثناءات المتكررة ستتحول إلى نمط عام يهدم أسس القانون الدولي لحقوق الإنسان.